فصل: سورة البلد

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير ***


سورة الأعلى

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 19‏]‏

‏{‏سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ‏(‏1‏)‏ الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى ‏(‏2‏)‏ وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى ‏(‏3‏)‏ وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى ‏(‏4‏)‏ فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى ‏(‏5‏)‏ سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى ‏(‏6‏)‏ إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى ‏(‏7‏)‏ وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى ‏(‏8‏)‏ فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى ‏(‏9‏)‏ سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى ‏(‏10‏)‏ وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى ‏(‏11‏)‏ الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ‏(‏12‏)‏ ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى ‏(‏13‏)‏ قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى ‏(‏14‏)‏ وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى ‏(‏15‏)‏ بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ‏(‏16‏)‏ وَالْآَخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى ‏(‏17‏)‏ إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى ‏(‏18‏)‏ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى ‏(‏19‏)‏‏}‏

قوله‏:‏ ‏{‏سَبِّحِ اسم رَبّكَ الأعلى‏}‏ أي‏:‏ نزّهه عن كل ما لا يليق به‏.‏ قال السديّ‏:‏ ‏{‏سبّح اسم ربك الأعلى‏}‏‏:‏ أي‏:‏ عظمه‏.‏ قيل‏:‏ والاسم هنا مقحم لقصد التعظيم، كما في قول لبيد‏:‏

إلى الحول ثم اسم السلام عليكما *** ومن يبك حولاً كاملاً فقد اعتذر

والمعنى‏:‏ سبّح ربك الأعلى‏.‏ قال ابن جرير‏:‏ المعنى نزّه اسم ربك أن يسمى به أحد سواه، فلا تكون على هذا مقحمة‏.‏ وقيل المعنى‏:‏ نزّه تسمية ربك، وذكرك إياه أن تذكره إلاّ وأنت خاشع معظم، ولذكره محترم‏.‏ وقال الحسن‏:‏ معنى سبّح اسم ربك الأعلى‏:‏ صلّ له‏.‏ وقيل المعنى‏:‏ صلّ بأسماء الله لا كما يصلي المشركون بالمكاء والتصدية‏.‏ وقيل المعنى‏:‏ ارفع صوتك بذكر ربك، ومنه قول جرير‏:‏

قبح الإله وجوه تغلب كلما *** سبّح الحجيج وكبّروا تكبيرا

والأعلى صفة للربّ‏.‏ وقيل للاسم، والأوّل أولى‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏الذى خَلَقَ فسوى‏}‏ صفة أخرى للربّ‏.‏ قال الزجاج‏:‏ خلق الإنسان مستوياً، ومعنى سوّى‏:‏ عدّل قامته‏.‏ قال الضحاك‏:‏ خلقه فسوّى خلقه‏.‏ وقيل‏:‏ خلق الأجساد، فسوّى الأفهام‏.‏ وقيل‏:‏ خلق الإنسان وهيأه للتكليف‏.‏ ‏{‏والذى قَدَّرَ فهدى‏}‏ صفة أخرى للربّ، أو معطوف على الموصول الذي قبله‏.‏ قرأ عليّ بن أبي طالب، والكسائي، والسلمي‏:‏ ‏(‏قدر‏)‏ مخففاً، وقرأ الباقون بالتشديد، قال الواحدي‏:‏ قال المفسرون‏:‏ قدّر خلق الذكر والأنثى من الدّواب، فهدى الذكر للأنثى كيف يأتيها‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ هدى الإنسان لسبيل الخير والشرّ، والسعادة والشقاوة، وروي عنه أيضاً أنه قال في معنى الآية‏:‏ قدّر السعادة والشقاوة، وهدى للرشد والضلالة، وهدى الأنعام لمراعيها‏.‏ وقيل‏:‏ قدّر أرزاقهم وأقواتهم، وهداهم لمعايشهم إن كانوا إنساً، ولمراعيهم إن كانوا وحشاً‏.‏ وقال عطاء‏:‏ جعل لكل دابة ما يصلحها وهداها له‏.‏ وقيل‏:‏ خلق المنافع في الأشياء، وهدى الإنسان لوجه استخراجها منها‏.‏ وقال السديّ‏:‏ قدّر مدّة الجنين في الرحم تسعة أشهر وأقلّ وأكثر، ثم هداه للخروج من الرحم‏.‏ قال الفراء‏:‏ أي قدّر، فهدى، وأضلّ فاكتفى بأحدهما، وفي تفسير الآية أقوال غير ما ذكرنا‏.‏ والأولى عدم تعيين فرد، أو أفراد مما يصدق عليه قدّر، وهدى إلا بدليل يدلّ عليه، ومع عدم الدليل يحمل على ما يصدق عليه معنى الفعلين، إما على البدل، أو على الشمول، والمعنى‏:‏ قدّر أجناس الأشياء وأنواعها، وصفاتها، وأفعالها، وأقوالها، وآجالها، فهدى كل واحد منها إلى ما يصدر عنه وينبغي له، ويسره لما خلق له، وألهمه إلى أمور دينه ودنياه‏.‏ ‏{‏والذى أَخْرَجَ المرعى‏}‏ صفة أخرى للربّ، أي‏:‏ أنبت العشب، وما ترعاه النعم من النبات الأخضر ‏{‏فَجَعَلَهُ غُثَاء أحوى‏}‏ أي‏:‏ فجعله بعد أن كان أخضر غثاء، أي‏:‏ هشيماً جافاً كالغثاء الذي يكون فوق السيل أحوى أي‏:‏ أسود بعد اخضراره، وذلك أن الكلأ إذا يبس اسودّ‏.‏

قال قتادة‏:‏ الغثاء الشيء اليابس، ويقال‏:‏ للبقل والحشيش إذا انحطم، ويبس غثاء وهشيم‏.‏ قال امرؤ القيس‏:‏

كأنّ ذرى رأس المجمر غدوة *** من السيل والأغثاء فلكة مغزل

وانتصاب ‏{‏غثاء‏}‏ على أنه المفعول الثاني، أو على الحال، و‏{‏أحوى‏}‏ صفة له‏.‏ وقال الكسائي‏:‏ هو حال من المرعى، أي‏:‏ أخرجه أحوى من شدّة الخضرة والريّ ‏{‏فَجَعَلَهُ غُثَاء‏}‏ بعد ذلك، والأحوى مأخوذ من الحوة، وهي‏:‏ سواد يضرب إلى الخضرة‏.‏ قال في الصحاح‏:‏ والحوة سمرة الشفة، ومنه قول ذي الرمة‏:‏

لمياء في شفتيها حوة لعس *** وفي اللثات وفي أنيابها شنب

‏{‏سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى‏}‏ أي‏:‏ سنجعلك قارئاً بأن نلهمك القراءة، فلا تنسى ما تقرؤه، والجملة مستأنفة لبيان هدايته الخاصة به بعد بيان الهداية العامة، وهي هدايته صلى الله عليه وسلم لحفظ القرآن‏.‏ قال مجاهد، والكلبي‏:‏ كان النبيّ صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه جبريل بالوحي لم يفرغ جبريل من آخر الآية حتى يتكلم النبيّ صلى الله عليه وسلم بأوّلها مخافة أن ينساها، فنزلت‏:‏ ‏{‏سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏إِلاَّ مَا شَاء الله‏}‏ استثناء مفرغ من أعمّ المفاعيل‏.‏ أي‏:‏ لا تنسى مما تقرؤه شيئًا من الأشياء إلاَّ ما شاء الله أن تنساه‏.‏ قال الفرّاء‏:‏ وهو لم يشأ سبحانه أن ينسي محمد صلى الله عليه وسلم شيئًا كقوله‏:‏ ‏{‏خالدين فِيهَا مَا دَامَتِ السموات والأرض إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 107‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ إلا ما شاء الله أن تنسى، ثم تذكر بعد ذلك، فإذن قد نسي، ولكنه يتذكر ولا ينسى شيئًا نسياناً كلياً‏.‏ وقيل‏:‏ بمعنى النسخ أي‏:‏ إلاَّ ما شاء الله أن ينسخه مما نسخ تلاوته‏.‏ وقيل‏:‏ معنى ‏{‏فلا تنسى‏}‏‏:‏ فلا تترك العمل إلاَّ ما شاء الله أن تتركه لنسخه ورفع حكمه‏.‏ وقيل المعنى‏:‏ إلاَّ ما شاء الله أن يؤخر إنزاله‏.‏ وقيل‏:‏ «لا» في قوله‏:‏ ‏{‏فَلاَ تنسى‏}‏ للنهي‏.‏ والألف مزيدة لرعاية الفاصلة، كما في قوله‏:‏ ‏{‏فَأَضَلُّونَا السبيلا‏}‏ ‏[‏الأحزاب‏:‏ 67‏]‏ يعني‏:‏ فلا تغفل قراءته وتذكره‏.‏ ‏{‏إِنَّهُ يَعْلَمُ الجهر وَمَا يخفى‏}‏ الجملة تعليل لما قبلها، أي‏:‏ يعلم ما ظهر وما بطن، والإعلان والإسرار، وظاهره العموم، فيندرج تحته ما قيل‏:‏ إن الجهر ما حفظه رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن، وما يخفى هو ما نسخ من صدره، ويدخل تحته أيضاً ما قيل من أن الجهر هو إعلان الصدقة، وما يخفى هو إخفاؤها، ويدخل تحته أيضاً ما قيل‏:‏ إن الجهر جهره صلى الله عليه وسلم بالقرآن مع قراءة جبريل مخافة أن يتفلت عليه، وما يخفى ما في نفسه مما يدعوه إلى الجهر‏.‏

‏{‏وَنُيَسّرُكَ لليسرى‏}‏ معطوف على سنقرئك، وما بينهما اعتراض‏.‏ قال مقاتل‏:‏ أي نهوّن عليك عمل الجنة‏.‏

وقيل‏:‏ نوفقك للطريقة التي هي أيسر وأسهل‏.‏ وقيل‏:‏ للشريعة اليسرى، وهي الحنيفية السهلة‏.‏ وقيل‏:‏ نهوّن عليك الوحي حتى تحفظه وتعمل به، والأولى حمل الآية على العموم، أي‏:‏ نوفقك للطريقة اليسرى في الدين والدنيا في كلّ أمر من أمورهما التي تتوجه إليك‏.‏ ‏{‏فَذَكّرْ إِن نَّفَعَتِ الذكرى‏}‏ أي‏:‏ عظ يا محمد الناس بما أوحينا إليك، وأرشدهم إلى سبل الخير، واهدهم إلى شرائع الدين‏.‏ قال الحسن‏:‏ تذكرة للمؤمن، وحجة على الكافر‏.‏ قال الواحدي‏:‏ إن نفعت أو لم تنفع؛ لأن النبيّ صلى الله عليه وسلم بعث مبلغاً للإعذار والإنذار، فعليه التذكير في كل حال نفع، أو لم ينفع ولم يذكر الحالة الثانية كقوله‏:‏ ‏{‏سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الحر‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 81‏]‏ الآية‏.‏ قال الجرجاني‏:‏ التذكير واجب، وإن لم ينفع، فالمعنى‏:‏ إن نفعت الذكرى أو لم تنفع‏.‏ وقيل‏:‏ إنه مخصوص في قوم بأعيانهم‏.‏ وقيل‏:‏ إن بمعنى ما، أي‏:‏ فذكر ما نفعت الذكرى؛ لأن الذكرى نافعة بكل حال‏.‏ وقيل‏:‏ إنها بمعنى قد، وقيل‏:‏ إنها بمعنى إذ‏.‏ وما قاله الواحدي، والجرجاني أولى، وقد سبقهما إلى القول به الفراء، والنحاس‏.‏ قال الرازي‏:‏ إنّ قوله‏:‏ ‏{‏إِن نَّفَعَتِ الذكرى‏}‏ للتنبيه على أشرف الحالين، وهو‏:‏ وجود النفع الذي لأجله شرعت الذكرى، والمعلق بإن على الشيء لا يلزم أن يكون عدماً عند عدم ذلك الشيء، ويدل عليه آيات‏:‏ منها هذه الآية، ومنها قوله تعالى‏:‏ ‏{‏واشكروا للَّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 172‏]‏‏.‏ ومنها قوله‏:‏ ‏{‏فليس جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصلاة إِنْ خِفْتُمْ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 101‏]‏ فإن القصر جائز عند الخوف وعدمه، ومنها قوله‏:‏ ‏{‏فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ الله‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 230‏]‏ والمراجعة جائزة بدون هذا الظنّ، فهذا الشرط فيه فوائد‏:‏ منها ما تقدّم، ومنها البعث على الانتفاع بالذكرى، كما يقول الرجل لمن يرشده‏:‏ قد أوضحت لك إن كنت تعقل، وهو تنبيه للنبيّ صلى الله عليه وسلم على أنها لا تنفعهم الذكرى، أو يكون هذا في تكرير الدعوة، فأما الدعاء الأوّل فعامّ انتهى‏.‏

ثم بيّن سبحانه الفرق بين من تنفعه الذكرى، ومن لا تنفعه، فقال‏:‏ ‏{‏سَيَذَّكَّرُ مَن يخشى‏}‏ أي‏:‏ سيتعظ بوعظك من يخشى الله، فيزداد بالتذكير خشية وصلاحاً‏.‏ ‏{‏وَيَتَجَنَّبُهَا الأشقى‏}‏ أي‏:‏ ويتجنب الذكرى، ويبعد عنها الأشقى من الكفار لإصراره على الكفر بالله، وانهماكه في معاصيه‏.‏ ثم وصف الأشقى فقال‏:‏ ‏{‏الذى يَصْلَى النار الكبرى‏}‏ أي‏:‏ العظيمة الفظيعة؛ لأنها أشدّ حراً من غيرها‏.‏ قال الحسن‏:‏ النار الكبرى نار جهنم، والنار الصغرى نار الدنيا‏.‏ وقال الزجاج‏:‏ هي السفلى من أطباق النار ‏{‏ثُمَّ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يحيى‏}‏ أي‏:‏ لا يموت فيها، فيستريح مما هو فيه من العذاب، ولا يحيا حياة ينتفع بها، ومنه قول الشاعر‏:‏

ألا ما لنفس لا تموت فينقضي *** عناها ولا تحيا حياة لها طعم

و ‏"‏ ثم ‏"‏ للتراخي في مراتب الشدّة؛ لأن التردّد بين الموت، والحياة أفظع من صلي النار الكبرى‏.‏ ‏{‏قَدْ أَفْلَحَ مَن تزكى‏}‏ أي‏:‏ من تطهر من الشرك، فآمن بالله ووحده، وعمل بشرائعه‏.‏ قال عطاء، والربيع‏:‏ من كان عمله زاكياً نامياً‏.‏ وقال قتادة‏:‏ تزكى بعمل صالح‏.‏ قال قتادة، وعطاء، وأبو العالية‏:‏ نزلت في صدقة الفطر‏.‏ قال عكرمة‏:‏ كان الرجل يقول‏:‏ أقدّم زكاتي بين يدي صلاتي‏.‏ وأصل الزكاة في اللغة النماء‏.‏ وقيل‏:‏ المراد بالآية زكاة الأموال كلها‏.‏ وقيل‏:‏ المراد بها زكاة الأعمال لا زكاة الأموال؛ لأن الأكثر أن يقال في الأموال زكي لا تزكي‏.‏ ‏{‏وَذَكَرَ اسم رَبّهِ فصلى‏}‏ قيل المعنى‏:‏ ذكر اسم ربه بالخوف، فعبده وصلى له، وقيل‏:‏ ذكر اسم ربه بلسانه فصلى أي‏:‏ فأقام الصلوات الخمس‏.‏ وقيل‏:‏ ذكر موقفه ومعاده فعبده، وهو كالقول الأوّل‏.‏ وقيل‏:‏ ذكر اسم ربه بالتكبير في أوّل الصلاة، لأنها لا تنعقد إلا بذكره، وهو‏:‏ قوله «الله أكبر» وقيل‏:‏ ذكر اسم ربه في طريق المصلى فصلى‏.‏ وقيل‏:‏ هو أن يتطوّع بصلاة بعد زكاة‏.‏ وقيل‏:‏ المراد بالصلاة هنا صلاة العيد، كما أن المراد بالتزكي في الآية الأولى زكاة الفطر، ولا يخفى بعد هذا القول؛ لأن السورة مكية، ولم تفرض زكاة الفطر، وصلاة العيد إلا بالمدينة‏.‏

‏{‏بَلْ تُؤْثِرُونَ الحياة الدنيا‏}‏ هذا إضراب عن كلام مقدّر يدلّ عليه السياق، أي‏:‏ لا تفعلون ذلك بل تؤثرون اللذات الفانية في الدنيا‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏تؤثرون‏}‏ بالفوقية على الخطاب، ويؤيدها قراءة أبيّ‏:‏ ‏(‏بل أنتم تؤثرون‏)‏ وقرأ أبو عمرو بالتحتية على الغيبة‏.‏ قيل‏:‏ والمراد بالآية الكفرة، والمراد بإيثار الحياة الدنيا هو الرضا بها، والاطمئنان إليها، والإعراض عن الآخرة بالكلية‏.‏ وقيل‏:‏ المراد بها جميع الناس من مؤمن وكافر، والمراد بإيثارها ما هو أعمّ من ذلك مما لا يخلو عنه غالب الناس من تأثير جانب الدنيا على الآخرة، والتوجه إلى تحصيل منافعها، والاهتمام بها اهتماماً زائداً على اهتمامه بالطاعات‏.‏ وجملة‏:‏ ‏{‏والآخرة خَيْرٌ وأبقى‏}‏ في محل نصب على الحال من فاعل تؤثرون، أي‏:‏ والحال أن الدار الآخرة التي هي الجنة أفضل، وأدوم من الدنيا‏.‏ قال مالك بن دينار‏:‏ لو كانت الدنيا من ذهب يفنى، والآخرة من خزف يبقى لكان الواجب أن يؤثر خزف يبقى على ذهب يفنى، فكيف والآخرة من ذهب يبقى، والدنيا من خزف يفنى‏؟‏

والإشارة بقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ هَذَا‏}‏ إلى ما تقدّم من فلاح من تزكى وما بعده، وقيل‏:‏ إنه إشارة إلى جميع السورة، ومعنى ‏{‏لَفِى الصحف الأولى‏}‏ أي‏:‏ ثابت فيها‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏صُحُفِ إبراهيم وموسى‏}‏ بدل من الصحف الأولى‏.‏ قال قتادة، وابن زيد‏:‏ يريد بقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ هَذَا‏}‏ والآخرة خير وأبقى‏.‏ وقالا‏:‏ تتابعت كتب الله عزّ وجلّ أنّ الآخرة خير وأبقى من الدنيا‏.‏

وقال الحسن‏:‏ تتابعت كتب الله جلّ ثناؤه إن هذا لفي الصحف الأولى، وهو قوله‏:‏ ‏{‏قَدْ أَفْلَحَ‏}‏ إلى آخر السورة‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم‏}‏ بضم الحاء في الموضعين، وقرأ الأعمش، وهارون، وأبو عمرو في رواية عنه بسكونها فيهما، وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏إبراهيم‏}‏ بالألف بعد الراء، وبالياء بعد الهاء‏.‏ وقرأ أبو رجاء بحذفهما وفتح الهاء‏.‏ وقرأ أبو موسى، وابن الزبير‏:‏ ‏"‏ إبراهام ‏"‏ بألفين‏.‏

وقد أخرج أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وابن المنذر، وابن مردويه عن عقبة بن عامر الجهني قال‏:‏ لما نزلت‏:‏ ‏{‏فَسَبّحْ باسم رَبّكَ العظيم‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 74‏]‏ قال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ اجعلوها في ركوعكم ‏"‏ فلما نزلت ‏{‏سَبِّحِ اسم رَبّكَ الأعلى‏}‏ ‏[‏أي‏:‏ سورة الأعلى‏]‏ قال‏:‏ ‏"‏ اجعلوها في سجودكم ‏"‏ ولا مطعن في إسناده‏.‏ وأخرج أحمد، وأبو داود، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن ابن عباس‏:‏ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا قرأ ‏{‏سَبِّحِ اسم رَبّكَ الأعلى‏}‏ ‏[‏الأعلى‏:‏ 1‏]‏ قال‏:‏ ‏"‏ سبحان ربي الأعلى ‏"‏ قال أبو داود‏:‏ خولف فيه وكيع، فرواه شعبة عن أبي إسحاق عن سعيد عن ابن عباس موقوفاً‏.‏ وأخرجه موقوفاً أيضاً عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير عن ابن عباس أنه كان إذا قرأ‏:‏ ‏{‏سَبِّحِ اسم رَبّكَ الأعلى‏}‏ قال‏:‏ «سبحان ربي الأعلى»، وفي لفظ لعبد بن حميد عنه قال‏:‏ «إذا قرأت ‏{‏سَبِّحِ اسم رَبّكَ الأعلى‏}‏‏.‏ فقل‏:‏ سبحان ربي الأعلى»‏.‏ وأخرج الفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن الأنباري في المصاحف عن عليّ بن أبي طالب أنه قرأ ‏{‏سَبِّحِ اسم رَبّكَ الأعلى‏}‏ فقال‏:‏ «سبحان ربي الأعلى» وهو في الصلاة، فقيل له أتزيد في القرآن‏؟‏ قال‏:‏ لا، إنما أمرنا بشيء، فقلته‏.‏ وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر عن أبي موسى الأشعري أنه قرأ في الجمعة‏:‏ ب ‏{‏سَبِّحِ اسم رَبّكَ الأعلى‏}‏ فقال‏:‏ «سبحان ربي الأعلى»‏.‏

وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه عن سعيد بن جبير قال‏:‏ سمعت ابن عمر يقرأ ‏{‏سَبِّحِ اسم رَبّكَ‏}‏ الأعلى فقال‏:‏ «سبحان ربي الأعلى»، وكذلك هي في قراءة أبيّ بن كعب‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة عن عمر أنه قال‏:‏ إذا قرأ ‏{‏سَبِّحِ اسم رَبّكَ الأعلى‏}‏ قال‏:‏ «سبحان ربي الأعلى»‏.‏ وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد عن عبد الله بن الزبير أنه قرأ ‏{‏سَبِّحِ اسم رَبّكَ الأعلى‏}‏ فقال‏:‏ «سبحان ربي الأعلى» وهو في الصلاة‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏فَجَعَلَهُ غُثَاء‏}‏ قال‏:‏ هشيماً ‏{‏أحوى‏}‏ قال متغيراً‏.‏ وأخرج ابن مردويه عنه قال‏:‏ كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يستذكر القرآن مخافة أن ينسى، فقيل له قد كفيناك ذلك، ونزلت‏:‏ ‏{‏سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تنسى‏}‏‏.‏

وأخرج الحاكم عن سعد بن أبي وقاص نحوه‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس ‏{‏إِلاَّ مَا شَاء الله‏}‏ يقول‏:‏ إلا ما شئت أنا، فأنسيك‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً ‏{‏وَنُيَسّرُكَ لليسرى‏}‏ قال‏:‏ للخير‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود‏:‏ ‏{‏وَنُيَسّرُكَ لليسرى‏}‏ قال‏:‏ الجنة‏.‏ وأخرج البزار، وابن مردويه عن جابر بن عبد الله عن النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله‏:‏ ‏{‏قَدْ أَفْلَحَ مَن تزكى‏}‏ قال‏:‏ ‏"‏ من شهد أن لا إله إلاّ الله، وقطع الأنداد، وشهد أني رسول الله ‏"‏ ‏{‏وَذَكَرَ اسم رَبّهِ فصلى‏}‏ قال‏:‏ هي الصلوات الخمس، والمحافظة عليها، والاهتمام بمواقيتها»‏.‏ قال البزار‏:‏ لا يروى عن جابر إلا من هذا الوجه‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏قَدْ أَفْلَحَ مَن تزكى‏}‏ قال‏:‏ من الشرك ‏{‏وَذَكَرَ اسم رَبّهِ‏}‏ قال‏:‏ وحد الله ‏{‏فصلى‏}‏ قال‏:‏ الصلوات الخمس‏.‏ وأخرج البيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏قَدْ أَفْلَحَ مَن تزكى‏}‏ قال‏:‏ من قال لا إله إلا الله‏.‏ وأخرج البزار، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم في الكنى، وابن مردويه والبيهقي في سننه عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جدّه عن النبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «أنه كان يأمر بزكاة الفطر قبل أن يصلي صلاة العيد، ويتلو هذه الآية ‏{‏قَدْ أَفْلَحَ مَن تزكى * وَذَكَرَ اسم رَبّهِ فصلى‏}‏»‏.‏ وفي لفظ قال‏:‏ سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن زكاة الفطر، فقال‏:‏ ‏{‏قَدْ أَفْلَحَ مَن تزكى‏}‏ قال‏:‏ ‏"‏ هي زكاة الفطر ‏"‏ وكثير بن عبد الله ضعيف جدّاً، قال فيه أبو داود‏:‏ هو ركن من أركان الكذب، وقد صحح الترمذي حديثاً من طريقه، وخطئ في ذلك، ولكنه يشهد له ما أخرجه ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏ ‏{‏قَدْ أَفْلَحَ مَن تزكى * وَذَكَرَ اسم رَبّهِ فصلى‏}‏ ثم يقسم الفطرة قبل أن يغدو إلى المصلى يوم الفطر ‏"‏ وليس في هذين الحديثين ما يدل على أن ذلك سبب النزول، بل فيهما أنه تلا الآية، وقوله‏:‏ هي زكاة الفطر، يمكن أن يراد به أنها مما يصدق عليه التزكي، وقد قدّمنا أن السورة مكية، ولم تكن في مكة صلاة عيد ولا فطرة وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر عن أبي سعيد الخدري‏:‏ ‏{‏قَدْ أَفْلَحَ مَن تزكى‏}‏ قال‏:‏ أعطى صدقة الفطر قبل أن يخرج إلى العيد‏.‏

‏{‏وَذَكَرَ اسم رَبّهِ فصلى‏}‏ قال‏:‏ خرج إلى العيد وصلى‏.‏ وأخرج ابن مردويه، والبيهقي عن ابن عمر قال‏:‏ إنما أنزلت هذه الآية في إخراج صدقة الفطر قبل صلاة العيد‏:‏ ‏{‏قَدْ أَفْلَحَ مَن تزكى * وَذَكَرَ اسم رَبّهِ فصلى‏}‏‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن عطاء قال‏:‏ قلت لابن عباس‏:‏ أرأيت قوله‏:‏ ‏{‏قَدْ أَفْلَحَ مَن تزكى‏}‏ للفطر قال‏:‏ لم أسمع بذلك، ولكن للزكاة كلها‏.‏ ثم عاودته فقال لي‏:‏ والصدقات كلها‏.‏

وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والبيهقي في شعب الإيمان عن عرفجة الثقفي قال‏:‏ استقرأت ابن مسعود ‏{‏سَبِّحِ اسم رَبّكَ الأعلى‏}‏ فلما بلغ‏:‏ ‏{‏بَلْ تُؤْثِرُونَ الحياة الدنيا‏}‏ ترك القراءة، وأقبل على أصحابه، فقال‏:‏ آثرنا الدنيا على الآخرة، فسكت القوم، فقال‏:‏ آثرنا الدنيا لأنا رأينا زينتها، ونساءها، وطعامها، وشرابها، وزويت عنا الآخرة، فاخترنا هذا العاجل وتركنا الآجل، وقال‏:‏ ‏(‏بل يؤثرون الحياة الدنيا‏)‏ بالياء‏.‏ وأخرج البزار، وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ هذا لَفِى الصحف الأولى * صُحُفِ إبراهيم وموسى‏}‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «هي كلها في صحف إبراهيم، وموسى» وأخرج سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه في الآية قال‏:‏ نسخت هذه السورة من صحف إبراهيم وموسى، وفي لفظ‏:‏ هذه السورة في صحف إبراهيم وموسى‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، وابن مردويه، وابن عساكر عن أبي ذرّ قال‏:‏ قلت يا رسول الله كم أنزل الله من كتاب‏؟‏ قال‏:‏ «مائة كتاب، وأربعة كتب» الحديث‏.‏

سورة الغاشية

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 26‏]‏

‏{‏هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ ‏(‏1‏)‏ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ ‏(‏2‏)‏ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ ‏(‏3‏)‏ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً ‏(‏4‏)‏ تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آَنِيَةٍ ‏(‏5‏)‏ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ ‏(‏6‏)‏ لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ‏(‏7‏)‏ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ ‏(‏8‏)‏ لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ ‏(‏9‏)‏ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ ‏(‏10‏)‏ لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً ‏(‏11‏)‏ فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ ‏(‏12‏)‏ فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ ‏(‏13‏)‏ وَأَكْوَابٌ مَوْضُوعَةٌ ‏(‏14‏)‏ وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ ‏(‏15‏)‏ وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ ‏(‏16‏)‏ أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ‏(‏17‏)‏ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ‏(‏18‏)‏ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ‏(‏19‏)‏ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ‏(‏20‏)‏ فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ ‏(‏21‏)‏ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ ‏(‏22‏)‏ إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ ‏(‏23‏)‏ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذَابَ الْأَكْبَرَ ‏(‏24‏)‏ إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ‏(‏25‏)‏ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ ‏(‏26‏)‏‏}‏

قوله‏:‏ ‏{‏هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغاشية‏}‏ قال جماعة من المفسرين‏:‏ هل هنا بمعنى قد، وبه قال قطرب، أي‏:‏ قد جاءك يا محمد حديث الغاشية، وهي القيامة؛ لأنها تغشى الخلائق بأهوالها‏.‏ وقيل‏:‏ إن بقاء هل هنا على معناها الاستفهامي المتضمن للتعجيب بما في خبره، والتشويق إلى استماعه أولى‏.‏ وقد ذهب إلى أن المراد بالغاشية هنا القيامة أكثر المفسرين‏.‏ وقال سعيد بن جبير، ومحمد بن كعب‏:‏ الغاشية النار تغشى وجوه الكفار كما في قوله‏:‏ ‏{‏وتغشى وُجُوهَهُمْ النار‏}‏ ‏[‏إبراهيم‏:‏ 50‏]‏ وقيل‏:‏ الغاشية أهل النار؛ لأنهم يغشونها ويقتحمونها‏.‏ والأوّل أولى‏.‏ قال الكلبي‏:‏ المعنى إن لم يكن أتاك حديث الغاشية، فقد أتاك‏.‏ ‏{‏وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشعة‏}‏ الجملة مستأنفة جواب سؤال مقدّر كأنه قيل ما هو‏؟‏ أو مستأنفة استئنافاً نحوّياً لبيان ما تضمنته من كون، ثم وجوه في ذلك اليوم متصفة بهذه الصفة المذكورة‏.‏ ووجوه مرتفع على الابتداء، وإن كانت نكرة لوقوعه في مقام التفصيل‏.‏ وقد تقدّم مثل هذا في سورة القيامة، وفي سورة النازعات‏.‏ والتنوين في يومئذ عوض عن المضاف إليه، أي‏:‏ يوم غشيان الغاشية‏.‏ والخاشعة‏:‏ الذليلة الخاضعة‏.‏ وكل متضائل ساكن يقال له خاشع، يقال خشع الصوت‏:‏ إذا خفي، وخشع في صلاته‏:‏ إذا تذلل ونكس رأسه‏.‏ والمراد بالوجوه هنا أصحابها‏.‏ قال مقاتل‏:‏ يعني الكفار؛ لأنهم تكبروا عن عبادة الله‏.‏ قال قتادة، وابن زيد‏:‏ خاشعة في النار‏.‏ وقيل‏:‏ أراد وجوه اليهود والنصارى على الخصوص، والأوّل أولى‏.‏

قوله‏:‏ ‏{‏عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ‏}‏ معنى ‏{‏عاملة‏}‏ أنها تعمل عملاً شاقاً‏.‏ قال أهل اللغة‏:‏ يقال للرجل إذا دأب في سيره‏:‏ عمل يعمل عملاً، ويقال للسحاب إذا دام برقه‏:‏ قد عمل يعمل عملاً‏.‏ قيل‏:‏ وهذا العمل هو جرّ السلاسل والأغلال، والخوض في النار‏.‏ ‏{‏نَّاصِبَةٌ‏}‏ أي‏:‏ تعبة‏.‏ يقال نصب بالكسر ينصب نصباً‏:‏ إذا تعب، والمعنى‏:‏ أنها في الآخرة تعبة لما تلاقيه من عذاب الله‏.‏ وقيل‏:‏ إن قوله‏:‏ ‏{‏عَامِلَةٌ‏}‏ في الدنيا إذ لا عمل في الآخرة، أي‏:‏ تعمل في الدنيا بالكفر والمعاصي، وتنصب في ذلك‏.‏ وقيل‏:‏ إنها عاملة في الدنيا ناصبة في الآخرة، والأوّل أولى‏.‏ قال قتادة ‏{‏عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ‏}‏‏:‏ تكبرت في الدنيا عن طاعة الله، فأعملها الله، وأنصبها في النار بجرّ السلاسل الثقال، وحمل الأغلال، والوقوف حفاة عراة في العرصات ‏{‏فِى يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ‏}‏ ‏[‏المعارج‏:‏ 4‏]‏ قال الحسن، وسعيد بن جبير‏:‏ لم تعمل لله في الدنيا، ولم تنصب فأعملها، وأنصبها في جهنم‏.‏ قال الكلبي‏:‏ يجرّون على وجوههم في النار‏.‏ وقال أيضاً‏:‏ يكلفون ارتقاء جبل من حديد في جهنم، فينصبون فيها أشد ما يكون من النصب بمعالجة السلاسل، والأغلال، والخوض في النار كما تخوض الإبل في الوحل‏.‏

قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏عاملة ناصبة‏}‏ بالرفع فيهما على أنهما خبران آخران للمبتدأ، أو على تقدير مبتدأ، وهما خبران له، وقرأ ابن محيصن، وعيسى، وحميد، وابن كثير في رواية عنه بنصبهما على الحال، أو على الذم‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏تصلى نَاراً حَامِيَةً‏}‏ خبر آخر للمبتدأ، أي‏:‏ تدخل ناراً متناهية في الحرّ، يقال‏:‏ حمي النهار، وحمي التنور، أي‏:‏ اشتدّ حرّهما‏.‏ قال الكسائي‏:‏ يقال‏:‏ اشتدّ حمى النهار، وحموه بمعنى‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ «تصلى» بفتح التاء مبنياً للفاعل‏.‏ وقرأ أبو عمرو، ويعقوب، وأبو بكر بضمها مبنياً للمفعول‏.‏ وقرأ أبو رجاء بضم التاء، وفتح الصاد، وتشديد اللام، والضمير راجع إلى الوجوه على جميع هذه القراءات‏.‏ والمراد أصحابها، كما تقدّم‏.‏ وهكذا الضمير ‏{‏تسقى مِنْ عَيْنٍ ءانِيَةٍ‏}‏ والمراد بالعين الآنية‏:‏ المتناهية في الحرّ‏.‏ والآني‏:‏ الذي قد انتهى حره، من الإيناء بمعنى التأخر، يقال آناه يؤنيه إيناء، أي‏:‏ أخرّه وحبسه، كما في قوله‏:‏ ‏{‏يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ ءانٍ‏}‏ ‏[‏الرحمن‏:‏ 44‏]‏ قال الواحدي‏:‏ قال المفسرون‏:‏ لو وقعت منها نطفة على جبال الدنيا لذابت‏.‏

ولما ذكر سبحانه شرابهم عقبه بذكر طعامهم فقال‏:‏ ‏{‏لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ‏}‏، هو‏:‏ نوع من الشوك يقال له الشبرق في لسان قريش إذا كان رطباً، فإذا يبس فهو الضريع‏.‏ كذا قال مجاهد، وقتادة، وغيرهما من المفسرين‏.‏ قيل‏:‏ وهو سمّ قاتل، وإذا يبس لا تقربه دابة ولا ترعاه‏.‏ وقيل‏:‏ هو شيء يرمي به البحر يسمى الضريع من أقوات الأنعام، لا من أقوات الناس، فإذا رعت منه الإبل لم تشبع، وهلكت هزالاً‏.‏ قال الخليل‏:‏ الضريع نبات أخضر منتن الريح يرمي به البحر‏.‏ وجمهور أهل اللغة والتفسير قالوا بالأوّل، ومنه قول أبي ذؤيب‏:‏

رعى الشبرق الرّيان حتى إذا ذوى *** وعاد ضريعاً بان عنه التحايص

وقال الهذلي يذكر إبلاً، وسوء مرعاها‏:‏

وحبسن في هرم الضريع وكلها *** قرناء دامية اليدين جرود

وقال سعيد بن جبير‏:‏ الضريع الحجارة‏.‏ وقيل‏:‏ هو شجرة في نار جهنم‏.‏ وقال الحسن‏:‏ هو بعض ما أخفاه الله من العذاب‏.‏ وقال ابن كيسان‏:‏ هو طعام يضرعون عنده ويذلون، ويتضرّعون إلى الله بالخلاص منه، فسمي بذلك؛ لأن آكله يتضرّع إلى الله في أن يغض عنه لكراهته وخشونته‏.‏ قال النحاس‏:‏ قد يكون مشتقاً من الضارع وهو الذليل، أي‏:‏ من شربه يلحقه ضراعة وذلة‏.‏ وقال الحسن أيضاً‏:‏ هو الزقوم‏.‏ وقيل‏:‏ هو واد في جهنم، وقد تقدّم في سورة الحاقة‏:‏ ‏{‏فَلَيْسَ لَهُ اليوم هاهنا حَمِيمٌ * وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ‏}‏ ‏[‏الحاقة‏:‏ 35، 36‏]‏‏:‏ والغسلين غير الضريع، كما تقدّم‏.‏ وجمع بين الآيتين بأن النار دركات، فمنهم من طعامه الضريع، ومنهم من طعامه الغسلين‏.‏ ثم وصف سبحانه الضريع فقال‏:‏ ‏{‏لاَّ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِى مِن جُوعٍ‏}‏ أي‏:‏ لا يسمن الضريع آكله، ولا يدفع عنه ما به من الجوع‏.‏

قال المفسرون‏:‏ لما نزلت هذه الآية‏.‏ قال المشركون‏:‏ إن إبلنا تسمن من الضريع، فنزلت‏:‏ ‏{‏لاَّ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِى مِن جُوعٍ‏}‏ وكذبوا في قولهم هذا، فإن الإبل لا تأكل الضريع ولا تقربه‏.‏ وقيل‏:‏ اشتبه عليهم أمره، فظنوه كغيره من النبات النافع‏.‏

ثم شرع سبحانه في بيان حال أهل الجنة بعد الفراغ من بيان حال أهل النار فقال‏:‏ ‏{‏وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ‏}‏ أي‏:‏ ذات نعمة وبهجة، وهي وجوه المؤمنين صارت وجوههم ناعمة لما شاهدوا من عاقبة أمرهم، وما أعدّه الله لهم من الخير الذي يفوق الوصف، ومثله قوله‏:‏ ‏{‏تَعْرِفُ فِى وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النعيم‏}‏ ‏[‏المطففين‏:‏ 24‏]‏ ثم قال‏:‏ ‏{‏لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ‏}‏ أي‏:‏ لعملها الذي عملته في الدنيا راضية، لأنها قد أعطيت من الأجر ما أرضاها، وقرّت به عيونها، والمراد بالوجوه هنا أصحابها، كما تقدّم‏.‏ ‏{‏فِى جَنَّةٍ عَالِيَةٍ‏}‏ أي‏:‏ عالية المكان مرتفعة على غيرها من الأمكنة، أو عالية القدر؛ لأن فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين‏.‏ ‏{‏لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاغية‏}‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏لا تسمع‏}‏ بفتح الفوقية، ونصب لاغية أي‏:‏ لا تسمع أنت أيها المخاطب، أو لا تسمع تلك الوجوه‏.‏ وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو بالتحتية مضمومة مبنياً للمفعول، ورفع ‏{‏لاغية‏}‏‏.‏ وقرأ نافع بالفوقية مضمومة مبنياً للمفعول، ورفع ‏{‏لاغية‏}‏‏.‏ وقرأ الفضل، والجحدري بفتح التحتية مبنياً للفاعل ونصب ‏{‏لاغية‏}‏، واللغو الكلام الساقط‏.‏ قال الفرّاء، والأخفش، أي‏:‏ لا تسمع فيها كلمة لغو‏.‏ قيل‏:‏ المراد بذلك الكذب والبهتان، والكفر قاله قتادة، وقال مجاهد‏:‏ أي‏:‏ الشتم‏.‏ وقال الفرّاء‏:‏ لا تسمع فيها حالفاً يحلف بكذب‏.‏ وقال الكلبي‏:‏ لا تسمع في الجنة حالفاً بيمين برّة ولا فاجرة‏.‏ وقال الفرّاء أيضاً‏:‏ لا تسمع في كلام أهل الجنة كلمة تلغى؛ لأنهم لا يتكلمون إلا بالحكمة وحمد الله تعالى على ما رزقهم من النعيم الدائم، وهذا أرجح الأقوال؛ لأن النكرة في سياق النفي من صيغ العموم، ولا وجه لتخصيص هذا بنوع من اللغو خاص إلا بمخصص يصلح للتخصيص‏.‏ و‏{‏لاغية‏}‏ إما صفة موصوف محذوف، أي‏:‏ كلمة لاغية، أو نفس لاغية، أو مصدر، أي‏:‏ لا تسمع فيها لغواً‏.‏

‏{‏فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ‏}‏ قد تقدّم في سورة الإنسان أن فيها عيوناً، والعين هنا بمعنى العيون، كما في قوله‏:‏ ‏{‏عَلِمَتْ نَفْسٌ‏}‏ ‏[‏التكوير‏:‏ 14‏]‏ ومعنى ‏{‏جارية‏}‏ أنها تجري مياهها، وتتدفق بأنواع الأشربة المستلذة‏.‏ قال الكلبي‏:‏ لا أدري بماء أو بغيره‏.‏ ‏{‏فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ‏}‏ أي‏:‏ عالية مرتفعة السمك، أو عالية القدر‏.‏ ‏{‏وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ‏}‏ قد تقدّم أن الأكواب جمع كوب، وأنه القدح الذي لا عروة له‏.‏ ومعنى ‏{‏موضوعة‏}‏‏:‏ أنها موضوعة بين أيديهم يشربون منها‏.‏ ‏{‏وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ‏}‏ النمارق‏:‏ الوسائد‏.‏ قال الواحدي‏:‏ في قول الجميع، واحدتها نُمرقة بضم النون‏.‏ وزاد الفرّاء سماعاً عن العرب‏:‏ نِمرقة بكسرها‏.‏

قال الكلبي‏:‏ وسائد مصفوفة بعضها إلى بعض، ومنه قول الشاعر‏:‏

وإنا لنجري الكأس بين شروبنا *** وبين أبي قابوس فوق النمارق

وقال الآخر‏:‏

كهول وشبان حسان وجوههم *** على سرر مصفوفة ونمارق

قال في الصحاح‏:‏ النمرق، والنمرقة وسادة صغيرة، وكذلك النمرقة بالكسر لغة حكاها يعقوب‏.‏ ‏{‏وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ‏}‏ يعني‏:‏ البسط، واحدها زربي وزربية‏.‏ قال أبو عبيدة، والفرّاء‏:‏ الزرابيّ الطنافس التي لها خمل رقيق، واحدها زربية، والمبثوثة المبسوطة قاله قتادة‏.‏ وقال عكرمة‏:‏ بعضها فوق بعض‏.‏ قال الواحدي‏:‏ ويجوز أن يكون المعنى‏:‏ أنها مفرّقة في المجالس‏.‏ وبه قال القتيبي‏.‏ وقال الفرّاء‏:‏ معنى مبثوثة كثيرة، والظاهر أن معنى البث‏:‏ التفرّق مع كثرة، ومنه‏:‏ ‏{‏وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلّ دَابَّةٍ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 164‏]‏‏.‏

‏{‏أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ‏}‏ الاستفهام للتقريع والتوبيخ، والفاء للعطف على مقدّر، كما في نظائره مما مرّ غير مرّة، والجملة مسوقة لتقرير أمر البعث والاستدلال عليه، وكذا ما بعدها، وكيف منصوبة بما بعدها، والجملة في محل جر على أنها بدل اشتمال من الإبل، والمعنى‏:‏ أينكرون أمر البعث، ويستبعدون وقوعه، أفلا ينظرون إلى الإبل التي هي غالب مواشيهم، وأكبر ما يشاهدونه من المخلوقات ‏{‏كَيْفَ خُلِقَتْ‏}‏ على ما هي عليه من الخلق البديع من عظم جثتها، ومزيد قوّتها، وبديع أوصافها‏.‏ قال أبو عمرو بن العلاء‏:‏ إنما خصّ الإبل؛ لأنها من ذوات الأربع، تبرك فتحمل عليها الحمولة، وغيرها من ذوات الأربع لا يحمل عليه إلاَّ وهو قائم، قال الزجاج‏:‏ نبههم على عظيم من خلقه قد ذلله للصغير يقوده، وينيخه، وينهضه، ويحمل عليه الثقيل من الحمل وهو بارك، فينهض بثقل حمله، وليس ذلك في شيء من الحوامل غيره، فأراهم عظيماً من خلقه ليدلّ بذلك على توحيده‏.‏ وسئل الحسن عن هذه الآية، وقيل له‏:‏ الفيل أعظم في الأعجوبة، فقال‏:‏ أما الفيل فالعرب بعيدة العهد به، ثم هو خنزير لا يركب ظهره، ولا يؤكل لحمه، ولا يحلب درّه‏.‏ والإبل من أعزّ مال العرب وأنفسه، تأكل النوى والقت، وتخرج اللبن‏.‏ ويأخذ الصبيّ بزمامها، فيذهب بها حيث شاء مع عظمها في نفسها‏.‏ وقال المبرد‏:‏ الإبل هنا هي القطع العظيمة من السحاب، وهو خلاف ما ذكره أهل التفسير واللغة‏.‏ وروي عن الأصمعي أنه قال‏:‏ من قرأ ‏{‏خلقت‏}‏ بالتخفيف عنى به البعير، ومن قرأ بالتشديد عنى به السحاب‏.‏ ‏{‏وَإِلَى السماء كَيْفَ رُفِعَتْ‏}‏ أي‏:‏ رفعت فوق الأرض بلا عمد على وجه لا يناله الفهم ولا يدركه العقل‏.‏ وقيل‏:‏ رفعت فلا ينالها شيء‏.‏ ‏{‏وَإِلَى الجبال كَيْفَ نُصِبَتْ‏}‏ على الأرض مرساة راسخة لا تميد ولا تميل، ولا تزول‏.‏ ‏{‏وَإِلَى الأرض كَيْفَ سُطِحَتْ‏}‏ أي‏:‏ بسطت‏.‏ والسطح‏:‏ بسط الشيء، يقال لظهر البيت إذا كان مستوياً‏:‏ سطح‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏سطحت‏}‏ مبنياً للمفعول مخففاً‏.‏

وقرأ الحسن‏:‏ بالتشديد‏.‏ وقرأ عليّ بن أبي طالب، وابن السميفع، وأبو العالية‏:‏ «خلقت»، «ورفعت»، «ونصبت»، وسطحت على البناء للفاعل، وضم التاء فيها كلها‏.‏ ثم أمر سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بالتذكير فقال‏:‏ ‏{‏فَذَكّرْ‏}‏ والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، أي‏:‏ فعظهم يا محمد، وخوّفهم ثم علل الأمر بالتذكير فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا أَنتَ مُذَكّرٌ‏}‏ أي‏:‏ ليس عليك إلا ذلك‏.‏ و‏{‏لَّسْتَ عَلَيْهِم بمسيطر‏}‏ المصيطر والمسيطر بالسين والصاد‏:‏ المسلط على الشيء ليشرف عليه، ويتعهد أحواله كذا في الصحاح، أي‏:‏ لست عليهم بمصيطر حتى تكرههم على الإيمان، وهذا منسوخ بآية السيف‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏بمصيطر‏}‏ بالصاد، وقرأ هشام، وقنبل في رواية بالسين‏.‏ وقرأ خلف بإشمام الصاد زاياً‏.‏ وقرأ هارون الأعور بفتح الطاء اسم مفعول ‏{‏إِلاَّ مَن تولى وَكَفَرَ‏}‏ هذا استثناء منقطع، أي‏:‏ لكن من تولى عن الوعظ والتذكير‏.‏ ‏{‏فَيْعَذّبُهُ الله العذاب الأكبر‏}‏ وهو عذاب جهنم الدائم‏.‏ وقيل‏:‏ هو استثناء متصل من قوله‏:‏ ‏{‏فَذَكّرْ‏}‏ أي‏:‏ فذكر كلّ أحد إلا من انقطع طمعك عن إيمانه، وتولى فاستحقّ العذاب الأكبر، والأوّل أولى‏.‏ وإنما قال‏:‏ ‏{‏الأكبر‏}‏ لأنهم قد عذبوا في الدنيا بالجوع والقحط، والقتل والأسر‏.‏ وقرأ ابن مسعود‏:‏ «فإنه يعذبه الله»‏.‏ وقرأ ابن عباس، وقتادة ‏(‏إلا من تولى وكفر‏)‏ على أنها «إلا» التي للتنبيه والاستفتاح ‏{‏إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ‏}‏ أي‏:‏ رجوعهم بعد الموت‏.‏ يقال‏:‏ آب يئوب‏:‏ إذا رجع، ومنه قول عبيد بن الأبرص‏:‏

وكلّ ذي غيبة يئوب *** وغائب الموت لا يؤوب

قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏إيابهم‏}‏ بالتخفيف‏.‏ وقرأ أبو جعفر، وشيبة بالتشديد‏.‏ قال أبو حاتم‏:‏ لا يجوز التشديد ولو جاز لجاز مثله في الصيام والقيام‏.‏ وقيل‏:‏ هما لغتان بمعنى‏.‏ قال الواحدي‏:‏ وأما «إيابهم» بتشديد الياء، فإنه شاذ لم يجزه أحد غير الزجاج‏.‏ ‏{‏ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ‏}‏ يعني‏:‏ جزاءهم بعد رجوعهم إلى الله بالبعث‏.‏ و«ثم» للتراخي في الرتبة لبعد منزلة الحساب في الشدّة عن منزلة الإياب‏.‏

وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ الغاشية من أسماء القيامة‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عنه‏:‏ ‏{‏هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغاشية‏}‏ قال‏:‏ الساعة ‏{‏وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشعة * عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ‏}‏ قال‏:‏ تعمل، وتنصب في النار ‏{‏تسقى مِنْ عَيْنٍ ءانِيَةٍ‏}‏ قال‏:‏ هي التي قد طال أنيها‏.‏ ‏{‏لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ‏}‏ قال‏:‏ الشبرق‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً‏:‏ ‏{‏وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشعة * عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ‏}‏ قال‏:‏ يعني اليهود والنصارى تخشع، ولا ينفعها عملها‏.‏ ‏{‏تسقى مِنْ عَيْنٍ ءانِيَةٍ‏}‏ قال‏:‏ قد أني غليانها‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله‏:‏ ‏{‏تصلى نَاراً حَامِيَةً‏}‏ قال‏:‏ حارّة‏.‏

‏{‏تسقى مِنْ عَيْنٍ ءانِيَةٍ‏}‏ قال‏:‏ انتهى حرّها ‏{‏لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ‏}‏ يقول‏:‏ من شجر من نار‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عنه أيضاً ‏{‏إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ‏}‏ قال‏:‏ الشبرق اليابس‏.‏

وأخرج ابن جرير عنه أيضاً ‏{‏لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاغية‏}‏ يقول‏:‏ لا تسمع أذى ولا باطل، وفي قوله‏:‏ ‏{‏فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ‏}‏ قال‏:‏ بعضها فوق بعض‏.‏ ‏{‏وَنَمَارِقُ‏}‏ قال‏:‏ مجالس‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه أيضاً‏:‏ ‏{‏وَنَمَارِقُ‏}‏ قال‏:‏ المرافق‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً‏:‏ ‏{‏لَّسْتَ عَلَيْهِم بمصيطر‏}‏ قال‏:‏ جبار‏.‏ ‏{‏إِلاَّ مَن تولى وَكَفَرَ‏}‏ قال حسابه على الله‏.‏ وأخرج أبو داود في ناسخه عنه أيضاً‏:‏ ‏{‏لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ‏}‏ ثم نسخ ذلك فقال‏:‏ ‏{‏فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 5‏]‏ وأخرج ابن المنذر عنه أيضاً‏:‏ ‏{‏إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ‏}‏ قال‏:‏ مرجعهم‏.‏

سورة الفجر

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 14‏]‏

‏{‏وَالْفَجْرِ ‏(‏1‏)‏ وَلَيَالٍ عَشْرٍ ‏(‏2‏)‏ وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ ‏(‏3‏)‏ وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ ‏(‏4‏)‏ هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ ‏(‏5‏)‏ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ ‏(‏6‏)‏ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ ‏(‏7‏)‏ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ ‏(‏8‏)‏ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ ‏(‏9‏)‏ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ ‏(‏10‏)‏ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ ‏(‏11‏)‏ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ‏(‏12‏)‏ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ ‏(‏13‏)‏ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ ‏(‏14‏)‏‏}‏

أقسم سبحانه بهذه الأشياء، كما أقسم بغيرها من مخلوقاته‏.‏ واختلف في الفجر الذي أقسم الله به هنا فقيل‏:‏ هو الوقت المعروف‏.‏ وسمي فجراً؛ لأنه وقت انفجار الظلمة عن النهار من كل يوم‏.‏ وقال قتادة‏:‏ إنه فجر أوّل يوم من شهر محرّم، لأن منه تتفجر السنة‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ يريد يوم النحر‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ فجر ذي الحجة؛ لأن الله قرن الأيام به فقال‏:‏ ‏{‏وَلَيالٍ عَشْرٍ‏}‏ أي ليالي عشر من ذي الحجة‏.‏ وبه قال السديّ، والكلبي‏.‏ وقيل المعنى‏:‏ وصلاة الفجر، أو ربّ الفجر‏.‏ والأوّل أولى، وجواب هذا القسم وما بعده هو قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد‏}‏ كذا قال ابن الأنباري‏.‏ وقيل‏:‏ محذوف لدلالة السياق عليه، أي‏:‏ ليجازينّ كل أحد بما عمل، أو ليعذبن، وقدّره أبو حيان بما دلت عليه خاتمة السورة التي قبله، أي‏:‏ ‏{‏والفجر‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ إلخ لإيابهم إلينا، وحسابهم علينا، وهذا ضعيف جدّاً، وأضعف منه قول من قال‏:‏ إن الجواب قوله‏:‏ ‏{‏هَلْ فِى ذَلِكَ قَسَمٌ لّذِى حِجْرٍ‏}‏‏.‏ وأن هل بمعنى قد؛ لأن هذا لا يصح أن يكون مقسماً عليه أبداً‏.‏ ‏{‏وَلَيالٍ عَشْرٍ‏}‏ هي عشر ذي الحجة في قول جمهور المفسرين‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ إنها الأواخر من رمضان‏.‏ وقيل‏:‏ العشر الأوّل من المحرّم إلى عاشرها يوم عاشوراء‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏(‏ليال‏)‏ بالتنوين، وعشر صفة لها‏.‏ وقرأ ابن عباس‏:‏ ‏(‏وليالي عشر‏)‏ بالإضافة‏.‏ قيل‏:‏ والمراد ليالي أيام عشر، وكان حقه على هذا أن يقال عشرة لأن المعدود مذكر‏.‏ وأجيب عنه بأنه إذا حذف المعدود جاز الوجهان‏.‏

‏{‏والشفع والوتر‏}‏ الشفع والوتر يعمان كل الأشياء شفعها ووترها، وقيل‏:‏ شفع الليالي ووترها‏.‏ وقال قتادة‏:‏ الشفع والوتر شفع الصلاة ووترها‏.‏ منها شفع، ومنها وتر‏.‏ وقيل‏:‏ الشفع يوم عرفة ويوم النحر، والوتر ليلة يوم النحر‏.‏ وقال مجاهد، وعطية العوفي‏:‏ الشفع الخلق، والوتر الله الواحد الصمد، وبه قال محمد بن سيرين، ومسروق، وأبو صالح، وقتادة‏.‏ وقال الربيع بن أنس، وأبو العالية‏:‏ هي صلاة المغرب فيها ركعتان، والوتر الركعة‏.‏ وقال الضحاك‏:‏ الشفع عشر ذي الحجة، والوتر أيام منى الثلاثة، وبه قال عطاء‏.‏ وقيل‏:‏ هما آدم وحواء؛ لأن آدم كان وتراً فشفع بحوّاء‏.‏ وقيل‏:‏ الشفع درجات الجنة وهي ثمان، والوتر دركات النار وهي سبع، وبه قال الحسين بن الفضل‏.‏ وقيل‏:‏ الشفع الصفا والمروة، والوتر الكعبة‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ الشفع الأيام والليالي، والوتر اليوم الذي لا ليلة بعده، وهو يوم القيامة وقال سفيان بن عيينة‏:‏ الوتر‏:‏ هو الله سبحانه، وهو الشفع أيضاً لقوله‏:‏ ‏{‏مَا يَكُونُ مِن نجوى ثلاثة إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ‏[‏المجادلة‏:‏ 7‏]‏ الآية‏.‏ وقال الحسن‏:‏ المراد بالشفع والوتر العدد كله؛ لأن العدد لا يخلو عنهما‏.‏ وقيل‏:‏ الشفع مسجد مكة والمدينة، والوتر مسجد بيت المقدس‏.‏

وقيل‏:‏ الشفع حجج القرآن، والوتر الإفراد‏.‏ وقيل‏:‏ الشفع الحيوان لأنه ذكر وأنثى، والوتر الجماد‏.‏ وقيل‏:‏ الشفع ما سمي، والوتر ما لا يسمى‏.‏

ولا يخفاك ما في غالب هذه الأقوال من السقوط البين، والضعف الظاهر، والاتكال في التعيين على مجرّد الرأي الزائف، والخاطر الخاطئ‏.‏

والذي ينبغي التعويل عليه، ويتعين المصير إليه ما يدل عليه معنى الشفع والوتر في كلام العرب، وهما معروفان واضحان، فالشفع عند العرب الزوج، والوتر الفرد‏.‏ فالمراد بالآية إما نفس العدد، أو ما يصدق عليه من المعدودات بأنه شفع أو وتر‏.‏ وإذا قام دليل على تعيين شيء من المعدودات في تفسير هذه الآية، فإن كان الدليل يدلّ على أنه المراد نفسه دون غيره فذاك، وإن كان الدليل يدلّ على أنه مما تناولته هذه الآية لم يكن ذلك مانعاً من تناولها لغيره‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏والوتر‏}‏ بفتح الواو‏.‏ وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف بكسرها، وهي قراءة ابن مسعود وأصحابه، وهما لغتان، والفتح لغة قريش وأهل الحجاز، والكسر لغة تميم‏.‏ قال الأصمعي‏:‏ كلّ فرد وتر، وأهل الحجاز يفتحون فيقولون وتر في الفرد‏.‏ وحكى يونس عن ابن كثير أنه قرأ بفتح الواو، وكسر التاء، فيحتمل أن تكون لغة ثالثة، ويحتمل أنه نقل كسرة الراء إلى التاء إجراء للوصل مجرى الوقف‏.‏

‏{‏واليل إِذَا يَسْرِ‏}‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏يسر‏}‏ بحذف الياء وصلاً ووقفاً اتباعاً لرسم المصحف‏.‏ وقرأ نافع، وأبو عمرو بحذفها في الوقف، وإثباتها في الوصل‏.‏ وقرأ ابن كثير، وابن محيصن، ويعقوب بإثباتها في الوصل والوقف‏.‏

قال الخليل‏:‏ تسقط الياء منها موافقة لرؤوس الآي‏.‏ قال الزجاج‏:‏ والحذف أحب إليّ لأنها فاصلة، والفواصل تحذف منها الياآت‏.‏ قال الفرّاء‏:‏ قد تحذف العرب الياء وتكتفي بكسر ما قبلها، وأنشد بعضهم‏:‏

كفاك كفّ ما تليق درهما *** جودا وأخرى تعط بالسيف دما

ما تليق، أي‏:‏ ما تمسك‏.‏ قال المؤرج‏:‏ سألت الأخفش عن العلة في إسقاط الياء من يسر فقال‏:‏ لا أجيبك حتى تبيت على باب داري سنة، فبتّ على باب داره سنة، فقال‏:‏ الليل لا يسري، وإنما يسرى فيه، فهو مصروف عن جهته، وكلّ ما صرفته عن جهته بخسته من إعرابه، ألا ترى إلى قوله‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 28‏]‏ ولم يقل بغية؛ لأنه صرفها من باغية‏.‏

وفي كلام الأخفش هذا نظر، فإن صرف الشيء عن معناه لسبب من الأسباب لا يستلزم صرف لفظه عن بعض ما يستحقه، ولو صحّ ذلك للزم في كلّ المجازات العقلية واللفظية، واللازم باطل، فالملزوم مثله، والأصل ههنا إثبات الياء؛ لأنها لام الفعل المضارع المرفوع، ولم تحذف لعلة من العلل إلا لاتباع رسم المصحف، وموافقة رءوس الآي إجراء للفواصل مجرى القوافي‏.‏ ومعنى ‏{‏واليل إِذَا يَسْرِ‏}‏‏:‏ إذا يمضي، كقوله‏:‏

‏{‏واليل إِذْ أَدْبَرَ‏}‏ ‏[‏المدثر‏:‏ 33‏]‏ ‏{‏واليل إِذَا عَسْعَسَ‏}‏ ‏[‏التكوير‏:‏ 17‏]‏ وقيل‏:‏ معنى يسر‏:‏ يسار فيه، كما يقال ليل نائم، ونهار صائم، كما في قول الشاعر‏:‏

لقد لمتنا يا أمّ غيلان في السرى *** ونمت وما ليل المطيّ بنائم

وبهذا قال الأخفش، والقتيبي وغيرهما من أهل المعاني، وبالأوّل قال جمهور المفسرين‏.‏ وقال قتادة، وأبو العالية‏:‏ ‏{‏واليل إِذَا يَسْرِ‏}‏ أي‏:‏ جاء وأقبل‏.‏ وقال النخعي، أي‏:‏ استوى‏.‏ قال عكرمة، وقتادة، والكلبي، ومحمد بن كعب‏:‏ هي ليلة المزدلفة خاصة لاختصاصها باجتماع الناس فيها لطاعة الله سبحانه‏.‏ وقيل‏:‏ ليلة القدر لسراية الرحمة فيها‏.‏ والراجح عدم تخصيص ليلة من الليالي دون أخرى‏.‏ ‏{‏هَلْ فِى ذَلِكَ قَسَمٌ لّذِى حِجْرٍ‏}‏ هذا الاستفهام لتقرير تعظيم ما أقسم سبحانه به، وتفخيمه من هذه الأمور المذكورة، والإشارة بقوله‏:‏ ‏{‏ذلك‏}‏ إلى تلك الأمور، والتذكير بتأويل المذكور، أي‏:‏ هل في ذلك المذكور من الأمور التي أقسمنا بها قسم، أي‏:‏ مقسم به حقيق بأن تؤكد به الأخبار‏.‏ ‏{‏لّذِى حِجْرٍ‏}‏ أي‏:‏ عقل ولبّ‏.‏ فمن كان ذا عقل ولبّ علم أن ما أقسم الله به من هذه الأشياء حقيق بأن يقسم به، ومثل هذا قوله‏:‏ ‏{‏وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 76‏]‏ قال الحسن‏:‏ ‏{‏لّذِى حِجْرٍ‏}‏ أي‏:‏ لذي حلم‏.‏ وقال أبو مالك‏:‏ لذي ستر من الناس‏.‏ وقال الجمهور‏:‏ الحجر العقل‏.‏ قال الفرّاء‏:‏ الكلّ يرجع إلى معنى واحد، لذي عقل، ولذي حلم، ولذي ستر، الكلّ بمعنى العقل‏.‏ وأصل الحجر المنع، يقال لمن ملك نفسه ومنعها‏:‏ إنه لذو حجر، ومنه سمي الحجر لامتناعه بصلابته، ومنه حجر الحاكم على فلان، أي‏:‏ منعه‏.‏ قال، والعرب تقول‏:‏ إنه لذو حجر‏:‏ إذا كان قاهراً لنفسه ضابطاً لها‏.‏

ثم ذكر سبحانه على طريقة الاستشهاد ما وقع من عذابه على بعض طوائف الكفار بسبب كفرهم، وعنادهم وتكذيبهم للرسل تحذيراً للكفار في عصر نبينا صلى الله عليه وسلم وتخويفاً لهم أن يصيبهم ما أصابهم فقال‏:‏ ‏{‏أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ العماد‏}‏ قرأ الجمهور بتنوين ‏{‏عاد‏}‏ على أن يكون ‏{‏إرم‏}‏ عطف بيان لعاد، والمراد بعاد‏:‏ اسم أبيهم‏.‏ وإرم اسم القبيلة، أو بدلاً منه‏.‏ وامتناع صرف إرم للتعريف والتأنيث‏.‏ وقيل‏:‏ المراد بعاد أولاد عاد، وهم عاد الأولى، ويقال لمن بعدهم عاد الأخرى، فيكون ذكر إرم على طريقة عطف البيان أو البدل، للدلالة على أنهم عاد الأولى لا عاد الأخرى، ولا بدّ من تقدير مضاف على كلا القولين، أي‏:‏ أهل إرم، أو سبط إرم‏؟‏ فإن إرم هو‏:‏ جدّ عاد؛ لأنه عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح‏.‏ وقرأ الحسن، وأبو العالية بإضافة عاد إلى إرم‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏إرم‏}‏ بكسر الهمزة‏.‏ وفتح الراء، والميم‏.‏ وقرأ الحسن، ومجاهد، وقتادة، والضحاك‏:‏ ‏{‏أرم‏}‏ بفتح الهمزة، والراء‏.‏

وقرأ معاذ بسكون الراء تخفيفاً، وقرئ بإضافة إرم إلى ذات العماد‏.‏ قال مجاهد‏:‏ من قرأ بفتح الهمزة شبههم بالإرم التي هي الأعلام‏.‏ واحدها أرم، وفي الكلام تقديم وتأخير، أي‏:‏ والفجر وكذا، وكذا ‏{‏إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد‏}‏‏.‏ ‏{‏ألم تر‏}‏ أي‏:‏ ألم ينته علمك إلى ما فعل ربك بعاد، وهذه الرؤية رؤية القلب، والخطاب للنبيّ صلى الله عليه وسلم، أو لكلّ من يصلح له، وقد كان أمر عاد وثمود مشهوراً عند العرب؛ لأن ديارهم متصلة بديار العرب، وكانوا يسمعون من أهل الكتاب أمر فرعون‏.‏ وقال مجاهد أيضاً‏:‏ إرم أمة من الأمم، وقال قتادة‏:‏ هي قبيلة من عاد‏.‏ وقيل‏:‏ هما عادان، فالأولى هي إرم، ومنه قول قيس بن الرقيات‏:‏

مجداً تليداً بناه أوّلهم *** أدرك عاداً وقبله إرم

قال معمر‏:‏ إرم إليه مجتمع عاد وثمود، وكان يقال عاد إرم وعاد ثمود، وكانت القبيلتان تنسب إلى إرم، قال أبو عبيدة‏:‏ هما عادان، فالأولى إرم‏.‏ ومعنى ‏{‏ذات العماد‏}‏‏:‏ ذات القوّة والشدّة، مأخوذ من قوة الأعمدة، كذا قال الضحاك‏.‏ وقال قتادة، ومجاهد‏:‏ إنهم كانوا أهل عمد سيارة في الربيع، فإذا هاج النبت رجعوا إلى منازلهم‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ ذات العماد يعني طولهم، كان طول الرجل منهم اثني عشرة ذراعاً‏.‏ ويقال‏:‏ رجل طويل العماد، أي‏:‏ القامة‏.‏

قال أبو عبيدة‏:‏ ذات العماد ذات الطول، يقال رجل معمد إذا كان طويلاً‏.‏ وقال مجاهد، وقتادة‏:‏ أيضاً كان عماداً لقومهم، يقال‏:‏ فلان عميد القوم وعمودهم، أي‏:‏ سيدهم‏.‏ وقال ابن زيد‏:‏ ذات العماد يعني إحكام البنيان بالعمد‏.‏ قال في الصحاح‏:‏ والعماد الأبنية الرفيعة تذكر وتؤنث، قال عمرو بن كلثوم‏:‏

ونحن إذا عماد الحيّ خرّت *** على الإخفاض نمنع من يلينا

وقال عكرمة، وسعيد المقبري هي دمشق، ورواه ابن وهب وأشهب عن مالك‏.‏ وقال محمد بن كعب‏:‏ هي الإسكندرية‏.‏ ‏{‏التى لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِى البلاد‏}‏ هذه صفة لعاد‏:‏ أي لم يخلق مثل تلك القبيلة في الطول والشدّة والقوّة، وهم الذين قالوا‏:‏ ‏{‏مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 15‏]‏ أو صفة للقرية على قول من قال‏:‏ إن إرم اسم لقريتهم، أو للأرض التي كانوا فيها‏.‏ والأوّل أولى، ويدل عليه قراءة أبيّ‏:‏ ‏(‏التي لم يخلق مثلهم في البلاد‏)‏ وقيل‏:‏ الإرم الهلاك‏.‏ قال الضحاك‏:‏ ‏{‏إرم ذات العماد‏}‏ أي‏:‏ أهلكهم فجعلهم رميماً، وبه قال شهر بن حوشب‏.‏ وقد ذكر جماعة من المفسرين أن إرم ذات العماد اسم مدينة مبنية بالذهب والفضة قصورها ودورها، وبساتينها، وإن حصباءها جواهر، وترابها مسك، وليس بها أنيس، ولا فيها ساكن من بني آدم، وإنها لا تزال تنتقل من موضع إلى موضع، فتارة تكون باليمن، وتارة تكون بالشام، وتارة تكون بالعراق، وتارة تكون بسائر البلاد، وهذا كذب بحت لا ينفق على من له أدنى تميز‏.‏

وزاد الثعلبي في تفسيره فقال‏:‏ إن عبد الله بن قلابة في زمان معاوية دخل هذه المدينة، وهذا كذب على كذب، وافتراء على افتراء، وقد أصيب الإسلام، وأهله بداهية دهياء، وفاقرة عظمى ورزية كبرى من أمثال هؤلاء الكذابين الدجالين الذين يجترئون على الكذب، تارة على بني إسرائيل، وتارة على الأنبياء، وتارة على الصالحين، وتارة على ربّ العالمين، وتضاعف هذا الشرّ، وزاد كثرة بتصدّر جماعة من الذين لا علم لهم بصحيح الرواية من ضعيفها من موضوعها للتصنيف، والتفسير للكتاب العزيز، فأدخلوا هذه الخرافات المختلفة، والأقاصيص المنحولة، والأساطير المفتعلة في تفسير كتاب الله سبحانه، فحرّفوا، وغيروا، وبدّلوا‏.‏ ومن أراد أن يقف على بعض ما ذكرنا، فلينظر في كتابي الذي سميته ‏(‏الفوائد المجموعة في الأحاديث الموضوعة‏)‏‏.‏

ثم عطف سبحانه القبيلة الآخرة، وهي‏:‏ ثمود على قبيلة عاد فقال‏:‏ ‏{‏وَثَمُودَ الذين جَابُواْ الصخر بالواد‏}‏ وهم‏:‏ قوم صالح سموا باسم جدّهم ثمود بن عابر بن إرم بن سام بن نوح‏.‏ ومعنى ‏{‏جابوا الصخر‏}‏‏:‏ قطعوه‏.‏ والجوب القطع، ومنه جاب البلاد‏:‏ إذا قطعها، ومنه سمي جيب القميص؛ لأنه جيب، أي‏:‏ قطع‏.‏ قال المفسرون‏:‏ أوّل من نحت الجبال والصخور ثمود، فبنوا من المدائن ألفاً وسبعمائة مدينة كلها من الحجارة، ومنه قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَتَنْحِتُونَ مِنَ الجبال بُيُوتاً فارهين‏}‏ ‏[‏الشعراء‏:‏ 149‏]‏ وكانوا ينحتون الجبال وينقبونها ويجعلون تلك الأنقاب بيوتاً يسكنون فيها‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏بالواد‏}‏ متعلق ب ‏{‏جابوا‏}‏، أو بمحذوف على أنه حال من الصخر، وهو وادي القرى‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏ثمود‏}‏ بمنع الصرف على أنه اسم للقبيلة، ففيه التأنيث والتعريف‏.‏ وقرأ يحيى بن وثاب بالصرف على أنه اسم لأبيها‏.‏ وقرأ الجمهور أيضاً بالواد بحذف الياء وصلاً، ووقفاً اتباعاً لرسم المصحف‏.‏ وقرأ ابن كثير بإثباتها فيهما‏.‏ وقرأ قنبل في رواية عنه بإثباتها في الوصل دون الوقف‏.‏

‏{‏وَفِرْعَوْنَ ذِى الأوتاد‏}‏ أي‏:‏ ذو الجنود الذين لهم خيام كثيرة يشدّونها بالأوتاد، أو جعل الجنود أنفسهم أوتاداً لأنهم يشدّون الملك، كما تشد الأوتاد الخيام‏.‏ وقيل‏:‏ كان له أوتاد يعذب الناس بها ويشدّهم إليها‏.‏ وقد تقدّم بيان هذا في سورة ص‏.‏ ‏{‏الذين طَغَوْاْ فِى البلاد‏}‏ الموصول صفة لعاد وثمود وفرعون، أي‏:‏ طغت كل طائفة منهم في بلادهم، وتمرّدت، وعتت، والطغيان مجاوزة الحدّ‏.‏ ‏{‏فَأَكْثَرُواْ فِيهَا الفساد‏}‏ بالكفر، ومعاصي الله، والجور على عباده، ويجوز أن يكون الموصول في محل رفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي‏:‏ هم الذين طغوا، أو في محل نصب على الذم‏.‏ ‏{‏فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ‏}‏ أي‏:‏ أفرغ عليهم وألقى على تلك الطوائف سوط عذاب، وهو ما عذبهم به‏.‏ قال الزجاج‏:‏ جعل صوته الذي ضربهم به العذاب، يقال‏:‏ صبّ على فلان خلعة، أي‏:‏ ألقاها عليه، ومنه قول النابغة‏:‏

فصبّ الله عليه أحسن صبغة *** وكان له بين البرية ناصر

ومنه قول الآخر‏:‏

ألم تر أن الله أظهر دينه *** وصبّ على الكفار سوط عذاب

ومعنى ‏{‏سوط عذاب‏}‏ نصيب عذاب، وذكر السوط إشارة إلى أن ما أحله بهم في الدنيا من العذاب العظيم هو بالنسبة إلى ما أعدّه لهم في الآخرة كالسوط، إذا قيس إلى سائر ما يعذب به‏.‏ وقيل‏:‏ ذكر السوط للدلالة على شدة ما نزل بهم، وكان السوط عندهم هو نهاية ما يعذب به‏.‏ قال الفرّاء‏:‏ هي كلمة تقولها العرب لكل نوع من أنواع العذاب، وأصل ذلك أن السوط هو عذابهم الذي يعذبون به، فجرى لكل عذاب إذا كان فيه عندهم غاية العذاب‏.‏ وقيل معناه‏:‏ عذاب يخالط اللحم والدم، من قولهم ساطه يسوطه سوطاً، أي‏:‏ خلطه، فالسوط خلط الشيء بعضه ببعض، ومنه قول كعب بن زهير‏:‏

لكن خلة قد سيط من دمها *** فجع وولع وإخلاف وتبديل

وقال الآخر‏:‏

أحارث إنا لو تساط دماؤنا *** تزايلن حتى لا يمسّ دم دما

وقال آخر‏:‏

فسطها ذميم الرأي غير موفق *** فلست على تسويطها بمعان

‏{‏إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد‏}‏ قد قدّمنا قول من قال إن هذا جواب القسم، والأولى أن الجواب محذوف، وهذه الجملة تعليل لما قبلها، وفيها إرشاد إلى أن كفار قومه صلى الله عليه وسلم سيصيبهم ما أصاب أولئك الكفار، ومعنى بالمرصاد‏:‏ أنه يرصد عمل كل إنسان حتى يجازيه عليه بالخير خيراً، وبالشرّ شرّاً‏.‏ قال الحسن، وعكرمة، أي‏:‏ عليه طريق العباد لا يفوته أحد، والرصد والمرصاد‏:‏ الطريق‏.‏ وقد تقدّم بيانه في سورة براءة، وتقدّم أيضاً عند قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَاداً‏}‏ ‏[‏النبأ‏:‏ 21‏]‏‏.‏

وقد أخرج الفريابي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، والبيهقي في الشعب عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏والفجر‏}‏ قال‏:‏ فجر النهار‏.‏ وأخرج ابن جرير عنه قال‏:‏ يعني‏:‏ صلاة الفجر‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور، والبيهقي في الشعب، وابن عساكر عنه أيضاً في قوله‏:‏ ‏{‏والفجر‏}‏ قال‏:‏ هو‏:‏ المحرّم فجر السنة، وقد ورد في فضل صوم شهر محرّم أحاديث صحيحة، ولكنها لا تدلّ على أنه المراد بالآية لا مطابقة، ولا تضمناً، ولا التزاماً‏.‏ وأخرج أحمد، والنسائي، والبزار، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب عن جابر‏:‏ أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏{‏والفجر * وَلَيالٍ عَشْرٍ * والشفع والوتر‏}‏ قال‏:‏ «إن العشر عشر الأضحى، والوتر‏:‏ يوم عرفة، والشفع‏:‏ يوم النحر» وفي لفظ‏:‏ «هي ليالي من ذي الحجة» وأخرج عبد بن حميد عن طلحة بن عبد الله أنه دخل على ابن عمر هو وأبو سلمة بن عبد الرحمن؛ فدعاهم ابن عمر إلى الغداء يوم عرفة، فقال أبو سلمة‏:‏ أليس هذه الليالي العشر التي ذكرها الله في القرآن‏؟‏ فقال ابن عمر‏:‏ وما يدريك‏؟‏ قال‏:‏ ما أشك، قال‏:‏ بلى، فاشكك‏.‏

وقد ورد في فضل هذه العشر أحاديث، وليس فيها ما يدلّ على أنها المرادة بما في القرآن هنا بوجه من الوجوه‏.‏

وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏وَلَيالٍ عَشْرٍ‏}‏ قال‏:‏ هي العشر الأواخر من رمضان‏.‏ وأخرج أحمد، وعبد بن حميد، والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم وصححه، وابن مردويه عن عمران بن حصين، أن النبيّ صلى الله عليه وسلم سئل عن الشفع والوتر، فقال‏:‏ «هي الصلاة بعضها شفع، وبعضها وتر» وفي إسناده رجل مجهول، وهو الراوي له عن عمران بن حصين‏.‏ وقد روي عن عمران بن عصام على عمران بن حصين بإسقاط الرجل المجهول‏.‏ وقال الترمذي بعد إخراجه بالإسناد الذي فيه الرجل المجهول هو حديث غريب لا نعرفه إلاّ من حديث قتادة‏.‏ قال ابن كثير‏:‏ وعندي أن وقفه على عمران بن حصين أشبه، والله أعلم‏.‏ قال‏:‏ ولم يجزم ابن جرير بشيء من هذه الأقوال في الشفع والوتر‏.‏ وقد أخرج هذا الحديث موقوفاً على عمران بن حصين عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، فهذا يقوّي ما قاله ابن كثير‏.‏

وأخرج عبد بن حميد عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏والشفع والوتر‏}‏ فقال‏:‏ كل شيء شفع، فهو اثنان، والوتر واحد‏.‏ وأخرج الطبراني، وابن مردويه، قال السيوطي‏:‏ بسند ضعيف عن أبي أيوب عن النبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ أنه سئل عن الشفع والوتر فقال‏:‏ «يومان وليلة، يوم عرفة، ويوم النحر، والوتر ليلة النحر ليلة جمع» وأخرج ابن جرير عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «الشفع يومان، والوتر اليوم الثالث» وأخرج عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وابن سعد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عبد الله بن الزبير أنه سئل عن الشفع والوتر فقال‏:‏ الشفع قول الله‏:‏ ‏{‏فَمَن تَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 203‏]‏ والوتر‏:‏ اليوم الثالث‏.‏ وفي لفظ‏:‏ الوتر أوسط أيام التشريق‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب من طرق عن ابن عباس قال‏:‏ الشفع يوم النحر، والوتر يوم عرفة‏.‏ وأخرج ابن جرير عنه ‏{‏واليل إِذَا يَسْرِ‏}‏ قال‏:‏ إذا ذهب‏.‏ وأخرج ابن المنذر عن ابن مسعود أنه قرأ‏:‏ ‏{‏والفجر‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏إِذَا يَسْرِ‏}‏، قال‏:‏ هذا قسم على إن ربك بالمرصاد‏.‏

وأخرج الفريابي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب من طرق عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏قَسَمٌ لّذِى حِجْرٍ‏}‏ قال‏:‏ لذي حجى وعقل ونهي‏.‏

وأخرج ابن جرير عنه في قوله‏:‏ ‏{‏بِعَادٍ * إِرَمَ‏}‏ قال‏:‏ يعني‏:‏ بالإرم الهالك، ألا ترى أنك تقول أرم بنو فلان ‏{‏ذَاتِ العماد‏}‏ يعني‏:‏ طولهم مثل العماد‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن المقدام بن معدي كرب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر ‏{‏إِرَمَ ذَاتِ العماد‏}‏ فقال‏:‏ «كان الرجل منهم يأتي إلى الصخرة، فيحملها على كاهله، فيلقيها على أيّ حيّ أراد فيهلكهم»، وفي إسناده رجل مجهول؛ لأن معاوية بن صالح رواه عمن حدّثه عن المقدام‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏جَابُواْ الصخر بالواد‏}‏ قال‏:‏ خرقوها‏.‏ وأخرج ابن جرير عنه في الآية قال‏:‏ كانوا ينحتون من الجبال بيوتاً‏.‏ ‏{‏وَفِرْعَوْنَ ذِى الأوتاد‏}‏ قال‏:‏ الأوتاد‏:‏ الجنود الذين يشدّون له أمره‏.‏ وأخرج الحاكم وصححه عن ابن مسعود في قوله‏:‏ ‏{‏ذِى الأوتاد‏}‏ قال‏:‏ وتد فرعون لامرأته أربعة أوتاد، ثم جعل على ظهرها رحى عظيمة حتى ماتت‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد‏}‏ قال‏:‏ يسمع ويرى‏.‏ وأخرج الحاكم وصححه، والبيهقي في الأسماء والصفات عن ابن مسعود في قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد‏}‏ قال‏:‏ من وراء الصراط جسور‏:‏ جسر عليه الأمانة، وجسر عليه الرحم، وجسر عليه الربّ عزّ وجلّ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏15- 30‏]‏

‏{‏فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ‏(‏15‏)‏ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ‏(‏16‏)‏ كَلَّا بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ ‏(‏17‏)‏ وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ ‏(‏18‏)‏ وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا ‏(‏19‏)‏ وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا ‏(‏20‏)‏ كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا ‏(‏21‏)‏ وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا ‏(‏22‏)‏ وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى ‏(‏23‏)‏ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ‏(‏24‏)‏ فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ ‏(‏25‏)‏ وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ ‏(‏26‏)‏ يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ‏(‏27‏)‏ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً ‏(‏28‏)‏ فَادْخُلِي فِي عِبَادِي ‏(‏29‏)‏ وَادْخُلِي جَنَّتِي ‏(‏30‏)‏‏}‏

لما ذكر سبحانه أنه بالمرصاد ذكر ما يدلّ على اختلاف أحوال عباده عند إصابة الخير، وعند إصابة الشرّ، وأن مطمح أنظارهم، ومعظم مقاصدهم هو الدنيا فقال‏:‏ ‏{‏فَأَمَّا الإنسان إِذَا مَا ابتلاه رَبُّهُ‏}‏ أي‏:‏ امتحنه، واختبره بالنعم ‏{‏فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ‏}‏ أي‏:‏ أكرمه بالمال، ووسع عليه رزقه ‏{‏فَيَقُولُ رَبّى أَكْرَمَنِ‏}‏ فرحاً بما نال، وسروراً بما أعطي، غير شاكر لله على ذلك، ولا خاطر بباله أن ذلك امتحان له من ربه، واختبار لحاله وكشف لما يشتمل عليه من الصبر والجزع، والشكر للنعمة وكفرانها، و«ما» في قوله‏:‏ ‏{‏إِذَا مَا‏}‏ زائدة‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ‏}‏ تفسير للابتلاء‏.‏ ومعنى‏:‏ ‏{‏أَكْرَمَنِ‏}‏ أي‏:‏ فضلني بما أعطاني من المال، وأسبغه عليّ من النعم لمزيد استحقاقي لذلك، وكوني موضعاً له، والإنسان مبتدأ وخبره‏:‏ ‏{‏فَيَقُولُ رَبّى أَكْرَمَنِ‏}‏ ودخلت الفاء فيه لتضمن أما معنى الشرط، والظرف المتوسط بين المبتدأ والخبر، وإن تقدّم لفظاً فهو مؤخر في المعنى، أي‏:‏ فأما الإنسان فيقول ربي أكرمني وقت ابتلائه بالإنعام‏.‏ قال الكلبي‏:‏ الإنسان هو الكافر أبيّ بن خلف‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ نزلت في أمية بن خلف‏.‏ وقيل‏:‏ نزلت في عتبة بن ربيعة، وأبي حذيفة بن المغيرة‏.‏

‏{‏وَأَمَّا إِذَا مَا ابتلاه‏}‏ أي‏:‏ اختبره، وعامله معاملة من يختبره ‏{‏فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ‏}‏ أي‏:‏ ضيقه، ولم يوسعه له، ولا بسط له فيه‏.‏ ‏{‏فَيَقُولُ رَبّى أَهَانَنِ‏}‏ أي‏:‏ أولاني هواناً، وهذه صفة الكافر الذي لا يؤمن بالبعث؛ لأنه لا كرامة عنده إلاّ الدنيا والتوسع في متاعها، ولا إهانة عنده إلاّ فوتها، وعدم وصوله إلى ما يريد من زينتها، فأما المؤمن، فالكرامة عنده أن يكرمه الله بطاعته، ويوفقه لعمل الآخرة، ويحتمل أن يراد الإنسان على العموم لعدم تيقظه أن ما صار إليه من الخير، وما أصيب به من الشرّ في الدنيا ليس إلاّ للاختبار والامتحان، وأن الدنيا بأسرها لا تعدل عند الله جناح بعوضة، ولو كانت تعدل جناح بعوضة ما سقى الكافر منها شربة ماء‏.‏ قرأ نافع بإثبات الياء في ‏{‏أكرمن‏}‏ و‏{‏أهانن‏}‏ وصلاً وحذفهما وقفاً، وقرأ ابن كثير في رواية البزي عنه، وابن محيصن، ويعقوب بإثباتهما وصلاً، ووقفاً، وقرأ الباقون بحذفهما في الوصل، والوقف اتباعاً لرسم المصحف، ولموافقة رؤوس الآي، والأصل إثباتها؛ لأنها اسم، ومن الحذف قول الشاعر‏:‏

ومن كاشح ظاهر غمره *** إذا ما انتصبت له أنكرن

أي‏:‏ أنكرني‏.‏ وقرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏فقدر‏}‏ بالتخفيف، وقرأ ابن عامر بالتشديد، وهما لغتان‏.‏ وقرأ الحرميان، وأبو عمرو‏:‏ ‏"‏ ربي ‏"‏ بفتح الياء في الموضعين، وأسكنها الباقون‏.‏ وقوله‏:‏ ‏{‏كَلاَّ‏}‏ ردع للإنسان القائل في الحالتين ما قال وزجر له، فإن الله سبحانه قد يوسع الرزق، ويبسط النعم للإنسان لا لكرامته، ويضيقه عليه لا لإهانته، بل للاختبار والامتحان، كما تقدّم‏.‏

قال الفراء‏:‏ كلا في هذا الموضع بمعنى أنه لم يكن ينبغي للعبد أن يكون هكذا، ولكن يحمد الله على الغنى والفقر‏.‏

ثم انتقل سبحانه من بيان سوء أقوال الإنسان إلى بيان سوء أفعاله فقال‏:‏ ‏{‏بَل لاَّ تُكْرِمُونَ اليتيم‏}‏ والالتفات إلى الخطاب لقصد التوبيخ، والتقريع على قراءة الجمهور بالفوقية‏.‏ وقرأ أبو عمرو، ويعقوب بالتحتية على الخبر‏.‏ وهكذا اختلفوا فيما بعد هذا من الأفعال، فقرأ الجمهور ‏{‏تحضون‏}‏ و‏{‏تأكلون‏}‏ و‏{‏تحبون‏}‏ بالفوقية على الخطاب فيها‏.‏ وقرأ أبو عمرو، ويعقوب بالتحتية فيها، والجمع في هذه الأفعال باعتبار معنى الإنسان؛ لأن المراد به الجنس، أي‏:‏ بل لكم أفعال هي أقبح مما ذكر، وهي أنكم تتركون إكرام اليتيم، فتأكلون ماله، وتمنعونه من فضل أموالكم‏.‏ قال مقاتل‏:‏ نزلت في قدامة بن مظعون، وكان يتيماً في حجر أمية بن خلف‏.‏ ‏{‏وَلاَ تحاضون على طَعَامِ المسكين‏}‏ قرأ الجمهور‏:‏ «تحضون» من حضه على كذا، أي‏:‏ أغراه به، ومفعوله محذوف، أي‏:‏ لا تحضون أنفسكم، أو لا يحضّ بعضكم بعضاً على ذلك، ولا يأمر به، ولا يرشد إليه‏.‏ وقرأ الكوفيون ‏{‏تحاضون‏}‏ بفتح التاء والحاء بعدها ألف، وأصله تتحاضون، فحذف إحدى التاءين‏.‏ أي‏:‏ لا يحضّ بعضكم بعضاً‏.‏ وقرأ الكسائي في رواية عنه والسلمي‏:‏ «تحاضون» بضم التاء من الحضّ، وهو الحث، وقوله‏:‏ ‏{‏على طَعَامِ المسكين‏}‏ متعلق ب ‏{‏تحضون‏}‏، وهو إما اسم مصدر، أي‏:‏ على إطعام المسكين، أو اسم للمطعوم، ويكون على حذف مضاف، أي‏:‏ على بذل طعام المسكين، أو على إعطاء طعام المسكين ‏{‏وَتَأْكُلُونَ التراث‏}‏ أصله الوارث، فأبدلت التاء من الواو المضمومة، كما في تجاه، ووجاه، والمراد به أموال اليتامى الذين يرثونه من قراباتهم، وكذلك أموال النساء، وذلك أنهم كانوا لا يورّثون النساء والصبيان، ويأكلون أموالهم ‏{‏أَكْلاً لَّمّاً‏}‏ أي‏:‏ أكلاً شديداً‏.‏ وقيل‏:‏ معنى ‏{‏لماً‏}‏ جمعاً، من قولهم‏:‏ لممت الطعام‏:‏ إذا أكلته جميعاً‏.‏ قال الحسن‏:‏ يأكل نصيبه ونصيب اليتيم، وكذا قال أبو عبيدة‏.‏ وأصل اللمّ في كلام العرب‏:‏ الجمع، يقال لممت الشيء ألمه لماً‏:‏ جمعته، ومنه قولهم‏:‏ لمّ الله شعثه، أي‏:‏ جمع ما تفرّق من أموره، ومنه قول النابغة‏:‏

ولست بمستبق أخا لا تلمه *** على شعث أيّ الرجال المهذب

قال الليث‏:‏ اللمّ‏:‏ الجمع الشديد، ومنه حجر ملموم، وكتيبة ملمومة‏.‏ وللآكل يلمّ الثريد، فيجمعه، ثم يأكله‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ يسفه سفاً‏.‏ وقال ابن زيد‏:‏ هو إذا أكل ماله ألمّ بمال غيره، فأكله، ولا يفكر فيما أكل من خبيث وطيب‏.‏ ‏{‏وَتُحِبُّونَ المال حُبّاً جَمّاً‏}‏ أي‏:‏ حباً كثيراً؛ والجمّ الكثير، يقال جمّ الماء في الحوض‏:‏ إذا كثر واجتمع‏.‏ والجمة‏:‏ المكان الذي يجتمع فيه الماء‏.‏

ثم كرّر سبحانه الردع لهم والزجر فقال‏:‏ ‏{‏كَلاَّ‏}‏ أي‏:‏ ما هكذا ينبغي أن يكون عملكم، ثم استأنف سبحانه فقال‏:‏ ‏{‏إِذَا دُكَّتِ الأرض دَكّاً دَكّاً‏}‏ وفيه وعيد لهم بعد الردع والزجر، والدكَّ‏:‏ الكسر والدق‏.‏ والمعنى هنا‏:‏ أنها زلزلت، وحركت تحريكاً بعد تحريك‏.‏ قال ابن قتيبة‏:‏ دكت جبالها حتى استوت‏.‏ قال الزجاج أي‏:‏ تزلزلت، فدكّ بعضها بعضاً‏.‏ قال المبرّد‏:‏ أي‏:‏ بسطت، وذهب ارتفاعها‏.‏ قال والدك‏:‏ حط المرتفع بالبسط، وقد تقدّم الكلام على الدك في سورة الأعراف، وفي سورة الحاقة، والمعنى‏:‏ أنها دكت مرة بعد أخرى‏.‏ وانتصاب ‏{‏دكاً‏}‏ الأوّل على أنه مصدر مؤكد للفعل‏.‏ و‏{‏دكاً‏}‏ الثاني تأكيد للأوّل‏.‏ كذا قال ابن عصفور‏.‏ ويجوز أن يكون النصب على الحال، أي‏:‏ حال كونها مدكوكة مرة بعد مرة، كما يقال‏:‏ علمته الحساب باباً باباً، وعلمته الخط حرفاً حرفاً‏.‏ والمعنى‏:‏ أنه كرّر الدك عليها حتى صارت هباء منبثاً‏.‏

‏{‏وَجَاء رَبُّكَ‏}‏ أي‏:‏ جاء أمره وقضاؤه، وظهرت آياته، وقيل المعنى‏:‏ أنها زالت الشبه في ذلك اليوم، وظهرت المعارف، وصارت ضرورية، كما يزول الشكّ عند مجيء الشيء الذي كان يشكّ فيه‏.‏ وقيل‏:‏ جاء قهر ربك وسلطانه، وانفراده بالأمر، والتدبير من دون أن يجعل إلى أحد من عباده شيئًا من ذلك‏.‏ ‏{‏والملك صَفّاً صَفّاً‏}‏ انتصاب ‏{‏صفاً صفاً‏}‏ على الحال، أي‏:‏ مصطفين، أو ذوي صفوف‏.‏ قال عطاء‏:‏ يريد صفوف الملائكة، وأهل كلّ سماه صفّ على حدة‏.‏ قال الضحاك‏:‏ أهل كلّ سماء إذا نزلوا يوم القيامة كانوا صفاً محيطين بالأرض ومن فيها، فيكونون سبعة صفوف‏.‏ ‏{‏وَجِئ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ‏}‏ ‏{‏يومئذ‏}‏ منصوب ب ‏{‏جيء‏}‏، والقائم مقام الفاعل ب ‏{‏جهنم‏}‏، وجوّز مكيّ أن يكون يومئذ هو القائم مقام الفاعل، وليس بذاك‏.‏ قال الواحدي‏:‏ قال جماعة من المفسرين‏:‏ جيء بها يوم القيامة مزمومة بسبعين ألف زمام مع كلّ زمام سبعون ألف ملك يجرّونها حتى تنصب عن يسار العرش، فلا يبقى ملك مقرّب، ولا نبي مرسل إلاّ جثا لركبتيه يقول‏:‏ يا ربّ نفسي نفسي‏.‏ وسيأتي الذي هذا نقله عن جماعة المفسرين مرفوعاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إن شاء الله‏.‏

‏{‏يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنسان‏}‏ ‏{‏يومئذ‏}‏ هذا بدل من ‏{‏يومئذ‏}‏ الذي قبله، أي‏:‏ يوم جيء بجهنم يتذكر الإنسان، أي‏:‏ يتعظ، ويذكر ما فرط منه، ويندم على ما قدّمه في الدنيا من الكفر والمعاصي‏.‏ وقيل‏:‏ إن قوله‏:‏ ‏{‏يَوْمَئِذٍ‏}‏ الثاني بدل من قوله‏:‏ ‏{‏إِذَا دُكَّتِ‏}‏ والعامل فيهما هو قوله‏:‏ ‏{‏يَتَذَكَّرُ الإنسان‏}‏ و‏{‏أنى لَهُ الذكرى‏}‏ أي‏:‏ ومن أين له التذكر والاتعاظ‏.‏ وقيل‏:‏ هو على حذف مضاف، أي‏:‏ ومن أين له منفعة الذكرى‏.‏ قال الزجاج‏:‏ يظهر التوبة، ومن أين له التوبة‏؟‏ ‏{‏يَقُولُ ياليتنى قَدَّمْتُ لِحَيَاتِى‏}‏ الجملة مستأنفة جواب سؤال مقدّر، كأنه قيل‏:‏ ماذا يقول الإنسان‏؟‏، ويجوز أن تكون بدل اشتمال من قوله‏:‏ ‏{‏يتذكر‏}‏‏.‏

والمعنى‏:‏ يتمنى أنه قدّم الخير، والعمل الصالح‏.‏ واللام في ‏{‏لحياتي‏}‏ بمعنى لأجل حياتي، والمراد حياة الآخرة، فإنها الحياة بالحقيقة؛ لأنها دائمة غير منقطعة‏.‏ وقيل‏:‏ إن اللام بمعنى «في»، والمراد حياة الدنيا‏:‏ أي‏:‏ يا ليتني قدّمت الأعمال الصالحة في وقت حياتي في الدنيا أنتفع بها هذا اليوم، والأوّل أولى‏.‏ قال الحسن‏:‏ علم والله أنه صادف حياة طويلة لا موت فيها‏.‏

‏{‏فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ‏}‏ أي‏:‏ يوم يكون زمان ما ذكر من الأحوال لا يعذب كعذاب الله أحد، ‏{‏وَلاَ يُوثِقُ‏}‏ ك ‏{‏وَثَاقَهُ أَحَدٌ‏}‏ أو لا يتولى عذاب الله ووثاقه أحد سواه إذ الأمر كله له‏.‏ والضميران على التقديرين في عذابه ووثاقه لله عزّ وجلّ، وهذا على قراءة الجمهور ‏{‏يعذب‏}‏، و‏{‏يوثق‏}‏ مبنيين للفاعل‏.‏ وقرأ الكسائي على البناء للمفعول فيهما، فيكون الضميران راجعين إلى الإنسان، أي‏:‏ لا يعذب كعذاب ذلك الإنسان أحد، ولا يوثق كوثاقه أحد، والمراد بالإنسان الكافر، أي‏:‏ لا يعذب من ليس بكافر كعذاب الكافر‏.‏ وقيل‏:‏ إبليس‏.‏ وقيل‏:‏ المراد به أبيّ بن خلف‏.‏ قال الفرّاء‏:‏ المعنى أنه لا يعذب كعذاب هذا الكافر المعين أحد، ولا يوثق بالسلاسل والأغلال كوثاقه أحد لتناهيه في الكفر والعناد‏.‏ وقيل المعنى‏:‏ أنه لا يعذب مكانه أحد، ولا يوثق مكانه أحد، فلا تؤخذ منه فدية، وهو كقوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 164‏]‏، والعذاب بمعنى التعذيب، والوثاق بمعنى التوثيق‏.‏ واختار أبو عبيد، وأبو حاتم قراءة الكسائي، قال‏:‏ وتكون الهاء في الموضعين ضمير الكافر؛ لأنه معروف أنه لا يعذب أحد كعذاب الله‏.‏ قال أبو عليّ الفارسي‏:‏ يجوز أن يكون الضمير للكافر على قراءة الجماعة أي، لا يعذب أحد أحداً مثل تعذيب هذا الكافر‏.‏

ولما فرغ سبحانه من حكاية أحوال الأشقياء ذكر بعض أحوال السعداء فقال‏:‏ ‏{‏يأَيَّتُهَا النفس المطمئنة‏}‏ المطمئنة‏:‏ هي الساكنة الموقنة بالإيمان وتوحيد الله، الواصلة إلى ثلج اليقين بحيث لا يخالطها شكّ، ولا يعتريها ريب‏.‏ قال الحسن‏:‏ هي المؤمنة الموقنة‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ الراضية بقضاء الله التي علمت أن ما أخطأها لم يكن ليصيبها، وأن ما أصابها لم يكن ليخطئها‏.‏ وقال مقاتل هي الآمنة المطمئنة‏.‏ وقال ابن كيسان‏:‏ المطمئنة بذكر الله‏.‏ وقيل‏:‏ المخلصة‏.‏ قال ابن زيد‏:‏ المطمئنة؛ لأنها بشرت بالجنة عند الموت وعند البعث‏.‏ ‏{‏ارجعى إلى رَبّكِ‏}‏ أي‏:‏ ارجعي إلى الله ‏{‏رَّاضِيَةٍ‏}‏ بالثواب الذي أعطاك‏.‏ ‏{‏مَّرْضِيَّةً‏}‏ عنده‏.‏ وقيل‏:‏ ارجعي إلى موعده‏.‏ وقيل‏:‏ إلى أمره‏.‏ وقال عكرمة، وعطاء‏:‏ معنى ‏{‏ارجعى إلى رَبّكِ‏}‏ إلى جسدك الذي كنت فيه، واختاره ابن جرير، ويدل على هذا قراءة ابن عباس‏:‏ ‏(‏فادخلي في عبدي‏)‏ بالإفراد، والأوّل أولى ‏{‏فادخلى فِى عِبَادِى‏}‏ أي‏:‏ في زمرة عبادي الصالحين، وكوني من جملتهم، وانتظمي في سلكهم ‏{‏وادخلى جَنَّتِى‏}‏ معهم قيل‏:‏ إنه يقال لها ارجعي إلى ربك عند خروجها من الدنيا‏.‏

ويقال لها‏:‏ ادخلي في عبادي، وادخلي جنتي يوم القيامة، والمراد بالآية كل نفس مطمئنة على العموم، ولا ينافي ذلك نزولها في نفس معينة، فالاعتبار بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب‏.‏

وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏أَكْلاً لَّمّاً‏}‏ قال‏:‏ سفاً‏.‏ وفي قوله‏:‏ ‏{‏حُبّاً جَمّاً‏}‏ قال‏:‏ شديداً‏.‏ وأخرج ابن جرير عنه ‏{‏أَكْلاً لَّمّاً‏}‏ قال‏:‏ شديداً‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله‏:‏ ‏{‏إِذَا دُكَّتِ الأرض دَكّاً دَكّاً‏}‏ قال‏:‏ تحريكها‏.‏ وأخرج مسلم، والترمذي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن مسعود قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام، مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرّونها ‏"‏ وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس ‏{‏وأنى لَهُ الذكرى‏}‏ يقول‏:‏ وكيف له‏؟‏ وأخرج ابن أبي حاتم عنه في قوله‏:‏ ‏{‏فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُعَذّبُ‏}‏ الآية قال‏:‏ لا يعذب بعذاب الله أحد، ولا يوثق بوثاق الله أحد‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، وابن مردويه، والضياء في المختارة عنه أيضاً في قوله‏:‏ ‏{‏أَحَدٌ يأَيَّتُهَا النفس المطمئنة‏}‏ قال‏:‏ المؤمنة ‏{‏ارجعى إلى رَبّكِ‏}‏ يقول‏:‏ إلى جسدك‏.‏ قال‏:‏ «نزلت هذه الآية، وأبو بكر جالس، فقال‏:‏ يا رسول الله ما أحسن هذا، فقال‏:‏ أما إنه سيقال لك هذا»‏.‏

وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، وأبو نعيم في الحلية عن سعيد بن جبير نحوه مرسلاً‏.‏ وأخرج الحكيم الترمذي في نوادر الأصول نحوه عن أبي بكر الصديق‏.‏

وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏يأَيَّتُهَا النفس المطمئنة‏}‏ قال‏:‏ هو النبيّ صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عنه قال‏:‏ ‏{‏النفس المطمئنة‏}‏ المصدّقة‏.‏ وأخرج ابن جرير عنه أيضاً في الآية قال‏:‏ تردّ الأرواح يوم القيامة في الأجساد‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً في قوله‏:‏ ‏{‏ارجعى إلى رَبّكِ رَاضِيَةً‏}‏ قال‏:‏ بما أعطيت من الثواب ‏{‏مَّرْضِيَّةً‏}‏ عنها بعملها‏.‏ ‏{‏فادخلى فِى عِبَادِى‏}‏ المؤمنين‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني عن سعيد بن جبير قال‏:‏ مات ابن عباس بالطائف، فجاء طير لم ير على خلقته، فدخل نعشه، ثم لم ير خارجاً منه‏.‏ فلما دفن تليت هذه الآية على شفير القبر لا ندري من تلاها‏:‏ ‏{‏يأَيَّتُهَا النفس المطمئنة ارجعى إلى رَبّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فادخلى فِى عِبَادِى * وادخلى جَنَّتِى‏}‏‏.‏ وأخرج أبو نعيم في الدلائل عن عكرمة مثله‏.‏

سورة البلد

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 20‏]‏

‏{‏لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ ‏(‏1‏)‏ وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ ‏(‏2‏)‏ وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ ‏(‏3‏)‏ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ ‏(‏4‏)‏ أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ‏(‏5‏)‏ يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا ‏(‏6‏)‏ أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ ‏(‏7‏)‏ أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ‏(‏8‏)‏ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ ‏(‏9‏)‏ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ‏(‏10‏)‏ فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ‏(‏11‏)‏ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ‏(‏12‏)‏ فَكُّ رَقَبَةٍ ‏(‏13‏)‏ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ‏(‏14‏)‏ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ ‏(‏15‏)‏ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ ‏(‏16‏)‏ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ‏(‏17‏)‏ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ‏(‏18‏)‏ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ ‏(‏19‏)‏ عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ ‏(‏20‏)‏‏}‏

قوله‏:‏ ‏{‏لاَ أُقْسِمُ‏}‏ ‏"‏ لا ‏"‏ زائدة، والمعنى‏:‏ أقسم ‏{‏بهذا البلد‏}‏‏.‏ وقد تقدّم الكلام على هذا في تفسير ‏{‏لاَ أُقْسِمُ بِيَوْمِ القيامة‏}‏ ‏[‏القيامة‏:‏ 1‏]‏ ومن زيادة «لا» في الكلام في غير القسم قول الشاعر‏:‏

تذكرت ليلى فاعترتني صبابة *** وكاد صميم القلب لا يتصدّع

أي‏:‏ يتصدّع‏.‏ ومن ذلك قوله‏:‏ ‏{‏مَا مَنَعَكَ أَن لاَ تَسْجُدُ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 12‏]‏، أي‏:‏ أن تسجد‏.‏ قال الواحدي‏:‏ أجمع المفسرون على أن هذا قسم بالبلد الحرام وهو مكة‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏لا أقسم‏}‏ وقرأ الحسن، والأعمش‏:‏ ‏(‏لأقسم‏)‏ من غير ألف‏.‏ وقيل‏:‏ هو نفي للقسم‏.‏ والمعنى‏:‏ لا أقسم بهذا البلد إذا لم تكن فيه بعد خروجك منه‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ إن ‏"‏ لا ‏"‏ رد على من أنكر البعث، ثم ابتدأ، فقال أقسم، والمعنى‏:‏ ليس الأمر كما تحسبون، والأوّل أولى‏.‏ والمعنى‏:‏ أقسم بالبلد الحرام الذي أنت حلّ فيه‏.‏ وقال الواسطي‏:‏ إن المراد بالبلد المدينة، وهو مع كونه خلاف إجماع المفسرين هو أيضاً مدفوع لكون السورة مكية لا مدنية‏.‏ وجملة قوله‏:‏ ‏{‏وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد‏}‏ معترضة‏.‏ والمعنى‏:‏ أقسم بهذا البلد ‏{‏وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ * لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِى كَبَدٍ‏}‏ واعترض بينهما بهذه الجملة‏.‏ والمعنى‏:‏ ومن المكابد أن مثلك عليّ عظيم حرمته يستحل بهذا البلد، كما يستحلّ الصيد في غير الحرم‏.‏

وقال الواحدي‏:‏ الحلّ والحلال والمحل واحد، وهو ضدّ المحرّم، أحلّ الله لنبيه صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح حتى قاتل، وقد قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ لم تحلّ لأحد قبلي، ولا تحلّ لأحد بعدي، ولم تحلّ لي إلاّ ساعة من نهار ‏"‏ قال‏:‏ والمعنى أن الله لما ذكر القسم بمكة دلّ ذلك على عظم قدرها مع كونها حراماً، فوعد نبيه صلى الله عليه وسلم أن يحلها له حتى يقاتل فيها ويفتحها على يده، فهذا وعد من الله تعالى بأن يحلها له حتى يكون بها حلاً‏.‏ انتهى‏.‏ فالمعنى‏:‏ وأنت حلّ بهذا البلد في المستقبل، كما في قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّكَ مَيّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيّتُونَ‏}‏ ‏[‏الزمر‏:‏ 30‏]‏ قال مجاهد‏:‏ المعنى ما صنعت فيه من شيء فأنت حلّ‏.‏ قال قتادة أنت حلّ به لست بآثم، يعني‏:‏ أنك غير مرتكب في هذا البلد ما يحرم عليك ارتكابه، لا كالمشركين الذين يرتكبون فيه الكفر والمعاصي‏.‏ وقيل المعنى‏:‏ لا أقسم بهذا البلد وأنت حالّ به، ومقيم فيه، وهو محلك، فعلى القول بأن لا نافية غير زائدة، يكون المعنى‏:‏ لا أقسم به وأنت حالّ به، فأنت أحقّ بالإقسام بك، وعلى القول بأنها زائدة يكون المعنى‏:‏ أقسم بهذا البلد الذي أنت مقيم به تشريفاً لك وتعظيماً لقدرك؛ لأنه قد صار بإقامتك فيه عظيماً شريفاً، وزاد على ما كان عليه من الشرف والعظم، ولكن هذا إذا تقرّر في لغة العرب أن لفظ حلّ يجيء بمعنى حالّ، وكما يجوز أن تكون الجملة معترضة يجوز أن تكون في محل نصب على الحال‏.‏

‏{‏وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ‏}‏ عطف على البلد‏.‏ قال قتادة، ومجاهد، والضحاك، والحسن، وأبو صالح، ‏{‏وَوَالِدٍ‏}‏ أي‏:‏ آدم ‏{‏وَمَا وَلَدَ‏}‏ أي‏:‏ وما تناسل من ولده أقسم بهم؛ لأنهم أعجب ما خلق الله على وجه الأرض لما فيهم من البيان والعقل والتدبير، وفيهم الأنبياء والعلماء والصالحون‏.‏ وقال أبو عمران الجوني‏:‏ الوالد إبراهيم، وما ولد‏:‏ ذريته‏.‏ قال الفرّاء‏:‏ إن‏:‏ «ما» عبارة عن الناس كقوله‏:‏ ‏{‏مَا طَابَ لَكُمْ‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 3‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ الوالد إبراهيم، والولد إسماعيل، ومحمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقال عكرمة، وسعيد بن جبير‏:‏ ‏{‏وَوَالِدٍ‏}‏ يعني‏:‏ الذي يولد له ‏{‏وَمَا وَلَدَ‏}‏ يعني‏:‏ العاقر الذي لا يولد له، وكأنهما جعلا ما نافية، وهو بعيد، ولا يصح ذلك إلاّ بإضمار الموصول، أي‏:‏ ووالد والذي ما ولد، ولا يجوز إضمار الموصول عند البصريين، وقال عطية العوفي‏:‏ هو عام في كل والد ومولود من جميع الحيوانات، واختار هذا ابن جرير‏.‏ ‏{‏لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِى كَبَدٍ‏}‏ هذا جواب القسم، والإنسان هو هذا النوع الإنساني، والكبد‏:‏ الشدّة والمشقة، يقال كابدت الأمر‏:‏ قاسيت شدّته، والإنسان لا يزال في مكابدة الدنيا، ومقاساة شدائدها حتى يموت، وأصل الكبد الشدّة، ومنه تكبد اللبن‏:‏ إذا غلظ واشتد، ويقال كبد الرجل‏:‏ إذا وجعت كبده، ثم استعمل في كل شدّة ومشقة، ومنه قول أبي الاصبغ‏:‏

لي ابن عم لو أن الناس في كبد *** لظلّ محتجراً بالنبل يرميني

قال الحسن‏:‏ يكابد مصائب الدنيا وشدائد الآخرة‏.‏ وقال أيضاً‏:‏ يكابد الشكر على السرّاء، ويكابد الصبر على الضرّاء، لا يخلو عن أحدهما‏.‏ قال الكلبي‏:‏ نزلت هذه الآية في رجل من بني جمح يقال له أبو الأشدين، وكان يأخذ الأديم العكاظي ويجعله تحت رجليه ويقول‏:‏ من أزالني عنه فله كذا، فيجذبه عشرة حتى يتمزّق، ولا تزول قدماه، وكان من أعداء النبيّ صلى الله عليه وسلم، وفيه نزل‏.‏ ‏{‏أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ‏}‏ يعني‏:‏ لقوّته‏.‏ ويكون معنى ‏{‏فِى كَبَدٍ‏}‏ على هذا‏:‏ في شدّة خلق‏.‏ وقيل معنى‏:‏ ‏{‏فِى كَبَدٍ‏}‏ أنه جريء القلب غليظ الكبد‏.‏ ‏{‏أَيَحْسَبُ أَن لَّن يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ‏}‏ أي‏:‏ يظن ابن آدم أن لن يقدر عليه ولا ينتقم منه أحد، أو يظنّ أبو الأشدّين أن لن يقدر عليه أحد، وأن هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير شأن مقدّر‏.‏

ثم أخبر سبحانه عن مقال هذا الإنسان فقال‏:‏ ‏{‏يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالاً لُّبَداً‏}‏ أي‏:‏ كثيراً مجتمعاً بعضه على بعض‏.‏ قال الليث‏:‏ مال لبد لا يخاف فناؤه من كثرته‏.‏

قال الكلبي، ومقاتل‏:‏ يقول أهلكت في عداوة محمد مالاً كثيراً‏.‏ وقال مقاتل‏:‏ نزلت في الحارث بن عامر بن نوفل‏:‏ أذنب، فاستفتى النبيّ صلى الله عليه وسلم، فأمره أن يكفر، فقال‏:‏ لقد ذهب مالي في الكفارات والنفقات منذ دخلت في دين محمد‏.‏ قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏لبداً‏}‏ بضم اللام، وفتح الباء مخففاً‏.‏ وقرأ مجاهد، وحميد بضم اللام والباء مخففاً‏.‏ وقرأ أبو جعفر بضم اللام، وفتح الباء مشدّداً‏.‏ قال أبو عبيدة‏:‏ لبد فعل من التلبيد، وهو المال الكثير بعضه على بعض‏.‏ قال الزجاج‏:‏ فعل للكثرة، يقال رجل حطم‏:‏ إذا كان كثير الحطم‏.‏ قال الفرّاء‏:‏ واحدته لبدة، والجمع لبد‏.‏ وقد تقدّم بيان هذا في سورة الجنّ‏.‏ ‏{‏أَيَحْسَبُ أَن لَّمْ يَرَهُ أَحَدٌ‏}‏ أي‏:‏ أيظنّ أنه لم يعاينه أحد‏.‏ قال قتادة‏:‏ أيظنّ أن الله سبحانه لم يره، ولا يسأله عن ماله من أين كسبه، وأين أنفقه‏؟‏ وقال الكلبي‏:‏ كان كاذباً لم ينفق ما قال، فقال الله‏:‏ أيظنّ أن الله لم ير ذلك منه، فعل أو لم يفعل، أنفق أو لم ينفق‏.‏

ثم ذكر سبحانه ما أنعم به عليهم ليعتبروا فقال‏:‏ ‏{‏أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ‏}‏ يبصر بهما ‏{‏وَلِسَاناً‏}‏ ينطق به ‏{‏وَشَفَتَيْنِ‏}‏ يستر بهما ثغره‏.‏ قال الزجاج‏:‏ المعنى ألم نفعل به ما يدل على أن الله قادر على أن يبعثه، والشفة محذوفة اللام، وأصلها شفهة بدليل تصغيرها على شفيهة ‏{‏وهديناه النجدين‏}‏ النجد‏:‏ الطريق في ارتفاع‏.‏ قال المفسرون‏:‏ بينا له طريق الخير وطريق الشرّ‏.‏ قال الزجاج‏:‏ المعنى ألم نعرفه طريق الخير وطريق الشرّ، مبينتين كتبين الطريقين العاليتين‏.‏ وقال عكرمة، وسعيد بن المسيب، والضحاك‏:‏ النجدان‏:‏ الثديان؛ لأنهما كالطريقين لحياة الولد، ورزقه، والأوّل أولى‏.‏ وأصل النجد المكان المرتفع، وجمعه نجود، ومنه سميت نجد لارتفاعها عن انخفاض تهامة، فالنجدان الطريقان العاليان، ومنه قول امرئ القيس‏:‏

فريقان منهم قاطع بطن نخلة *** وآخر منهم قاطع نجد كبكب

‏{‏فَلاَ اقتحم العقبة‏}‏ الاقتحام‏:‏ الرمي بالنفس في شيء من غير روية، يقال منه‏:‏ قحم في الأمر قحوماً، أي‏:‏ رمى بنفسه فيه من غير روية، وتقحيم النفس في الشيء‏:‏ إدخالها فيه من غير روية، والقحمة بالضم المهلكة‏.‏ والعقبة في الأصل الطريق التي في الجبل، سميت بذلك لصعوبة سلوكها، وهو مثل ضربه سبحانه لمجاهدة النفس والهوى والشيطان في أعمال البر، فجعله كالذي يتكلف صعود العقبة‏.‏ قال الفرّاء، والزجاج‏:‏ ذكر سبحانه هنا‏:‏ «لا» مرة واحدة، والعرب لا تكاد تفرد لا مع الفعل الماضي في مثل هذا الموضع حتى يعيدوها في كلام آخر كقوله‏:‏ ‏{‏فَلاَ صَدَّقَ وَلاَ صلى‏}‏ ‏[‏القيامة‏:‏ 31‏]‏ وإنما أفردها هنا لدلالة آخر الكلام على معناه، فيجوز أن يكون قوله‏:‏ ‏{‏ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين ءامَنُواْ‏}‏ قائماً مقام التكرير كأنه قال‏:‏ فلا اقتحم العقبة، ولا آمن‏.‏

قال المبرد، وأبو علي الفارسي‏:‏ إن «لا» هنا بمعنى لم، أي‏:‏ فلم يقتحم العقبة، وروي نحو ذلك عن مجاهد، فلهذا لم يحتج إلى التكرير، ومنه قول زهير‏:‏

وكان طوى كشحا على مستكنة *** فلا هو أبداها ولم يتقدّم

أي‏:‏ فلم يبدها، ولم يتقدم‏.‏ وقيل‏:‏ هو جار مجرى الدعاء كقولهم‏:‏ لا نجاء‏.‏ قال أبو زيد، وجماعة من المفسرين‏:‏ معنى الكلام هنا الاستفهام الذي بمعنى الإنكار‏.‏ تقديره‏:‏ أفلا اقتحم العقبة، أو هلا اقتحم العقبة‏.‏ ثم بيّن سبحانه العقبة فقال‏:‏ ‏{‏وَمَا أَدْرَاكَ مَا العقبة‏}‏ أي‏:‏ أيّ شيء أعلمك ما اقتحامها‏.‏ ‏{‏فَكُّ رَقَبَةٍ‏}‏ أي‏:‏ هي إعتاق رقبة، وتخليصها من أسار الرق‏.‏ وكل شيء أطلقته فقد فككته، ومنه‏:‏ فك الرهن، وفك الكتاب، فقد بيّن سبحانه أن العقبة هي هذه القرب المذكورة التي تكون بها النجاة من النار‏.‏ قال الحسن، وقتادة‏:‏ هي عقبة شديدة في النار دون الجسر، فاقتحموها بطاعة الله‏.‏ وقال مجاهد، والضحاك، والكلبي‏:‏ هي الصراط الذي يضرب على جهنم كحد السيف‏.‏ وقال كعب‏:‏ هي نار دون الجسر‏.‏ قيل‏:‏ وفي الكلام حذف أي‏:‏ وما أدراك ما اقتحام العقبة‏؟‏ قرأ أبو عمرو، وابن كثير، والكسائي ‏(‏فكّ رقبة‏)‏ على أنه فعل ماض، ونصب رقبة على المفعولية، وهكذا قرآ، أو اطعم‏:‏ على أنه فعل ماض‏.‏ وقرأ الباقون ‏(‏فك، أو إطعام‏)‏ على أنهما مصدران، وجرّ رقبة بإضافة المصدر إليها، فعلى القراءة الأولى يكون الفعلان بدلاً من اقتحم، أو بياناً له كأنه قيل‏:‏ فلا فك ولا أطعم، والفكّ في الأصل‏:‏ حلّ القيد، سمي العتق فكاً؛ لأن الرق كالقيد، وسمي المرقوق رقبة؛ لأنه بالرق كالأسير المربوط في رقبته‏.‏ ‏{‏أَوْ إِطْعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ‏}‏ المسغبة المجاعة، والسغب الجوع، والساغب الجائع‏.‏ قال الراغب‏:‏ يقال منه سغب الرجل سغباً، وسغوباً فهو ساغب، وسغبان، والمسغبة مفعلة منه، وأنشد أبو عبيدة‏:‏

فلو كنت حرّاً يابن قيس بن عاصم *** لما بتّ شبعاناً وجارك ساغبا

قال النخعي‏:‏ ‏{‏فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ‏}‏ أي‏:‏ عزيز فيه الطعام‏.‏ ‏{‏يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ‏}‏ أي‏:‏ قرابة‏.‏ يقال‏:‏ فلان ذو قرابتي، وذو مقربتي‏:‏ واليتيم في الأصل‏:‏ الضعيف‏.‏ يقال‏:‏ يتم الرجل‏:‏ إذا ضعف‏.‏ واليتيم عند أهل اللغة‏:‏ من لا أب له‏.‏ وقيل‏:‏ هو من لا أب له ولا أمّ، ومنه قول قيس بن الملوّح‏:‏

إلى الله أشكو فقد ليلى كما شكا *** إلى الله فقد الوالدين يتيم

‏{‏أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ‏}‏ أي‏:‏ لا شيء له كأنه لصق بالتراب لفقره، وليس له مأوى إلاّ التراب، يقال‏:‏ ترب الرجل يترب ترباً ومتربة‏:‏ إذا افتقر حتى لصق بالتراب ضرّاً‏.‏ قال مجاهد‏:‏ هو الذي لا يقيه من التراب لباس ولا غيره‏.‏ وقال قتادة‏:‏ هو ذو العيال‏.‏ وقال عكرمة‏:‏ هو المديون‏.‏

وقال أبو سنان‏:‏ هو ذو الزمانة‏.‏ وقال ابن جبير‏:‏ هو الذي ليس له أحد‏.‏ وقال عكرمة‏:‏ هو البعيد التربة الغريب عن وطنه، والأوّل أولى، ومنه قول الهذلي‏:‏

وكنا إذا ما الضيف حلّ بأرضنا *** سفكنا دماء البدن في تربة الحال

قرأ الجمهور‏:‏ ‏{‏ذي مسغبة‏}‏ على أنه صفة ليوم، و«يتيماً» هو مفعول إطعام‏.‏ وقرأ الحسن‏:‏ «ذا مسغبة» بالنصب على أنه مفعول إطعام، أي‏:‏ يطعمون ذا مسغبة، ويتيماً بدل منه‏.‏ ‏{‏ثُمَّ كَانَ مِنَ الذين ءامَنُواْ‏}‏ عطف على المنفيّ بلا‏.‏ وجاء بثم للدلالة على تراخي رتبة الإيمان ورفعة محله‏.‏ وفيه دليل على أن هذه القرب إنما تنفع مع الإيمان‏.‏ وقيل المعنى‏:‏ ثم كان من الذين آمنوا بأن هذا نافع لهم‏.‏ وقيل المعنى‏:‏ أنه أتى بهذه القرب لوجه الله‏.‏ ‏{‏وَتَوَاصَوْاْ بالصبر‏}‏ معطوف على ‏{‏آمنوا‏}‏ أي‏:‏ أوصى بعضهم بعضاً بالصبر على طاعة الله، وعن معاصيه، وعلى ما أصابهم من البلايا، والمصائب‏.‏ ‏{‏وَتَوَاصَوْاْ بالمرحمة‏}‏ أي‏:‏ بالرحمة على عباد الله‏.‏ فإنهم إذا فعلوا ذلك رحموا اليتيم والمسكين، واستكثروا من فعل الخير بالصدقة ونحوها‏.‏ والإشارة بقوله‏:‏ ‏{‏أولئك‏}‏ إلى الموصول باعتبار اتصافه بالصفات المذكورة هم ‏{‏الميمنة مَا‏}‏ أي‏:‏ أصحاب جهة اليمين، أو أصحاب اليمن، أو الذين يعطون كتبهم بأيمانهم‏.‏ وقيل‏:‏ غير ذلك مما قد قدّمنا ذكره في سورة الواقعة‏.‏ ‏{‏والذين كَفَرُواْ بئاياتنا‏}‏ أي‏:‏ بالقرآن، أو بما هو أعمّ منه، فتدخل الآيات التنزيلية، والآيات التكوينية التي تدل على الصانع سبحانه ‏{‏هُمْ أصحاب المشئمة‏}‏ أي‏:‏ أصحاب الشمال، أو أصحاب الشؤم‏.‏ أو الذين يعطون كتبهم بشمالهم، أو غير ذلك مما تقدّم‏.‏ ‏{‏عَلَيْهِمْ نَارٌ مُّؤْصَدَةُ‏}‏ أي‏:‏ مطبقة مغلقة، يقال‏:‏ أصدت الباب، وأوصدته إذا أغلقته، وأطبقته، ومنه قول الشاعر‏:‏

تحنّ إلى أجبال مكة ناقتي *** ومن دونها أبواب صنعاء مؤصدة

قرأ الجمهور‏:‏ ‏(‏موصدة‏)‏ بالواو‏.‏ وقرأ أبو عمرو، وحمزة، وحفص بالهمزة مكان الواو، وهما‏:‏ لغتان، والمعنى واحد‏.‏

وقد أخرج ابن جرير، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد‏}‏ قال‏:‏ مكة ‏{‏وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد‏}‏ يعني‏:‏ بذلك النبيّ صلى الله عليه وسلم، أحلّ الله له يوم دخل مكة أن يقتل من شاء، ويستحيي من شاء‏.‏ فقتل له يومئذ ابن خطل صبراً، وهو آخذ بأستار الكعبة، فلم يحلّ لأحد من الناس بعد النبيّ صلى الله عليه وسلم أن يفعل فيها حراماً حرّمه الله، فأحلّ الله له ما صنع بأهل مكة‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه في قوله‏:‏ ‏{‏لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد‏}‏ قال‏:‏ مكة‏.‏ ‏{‏وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد‏}‏ قال‏:‏ أنت يا محمد يحلّ لك أن تقاتل فيه‏.‏ وأما غيرك فلا‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن أبي برزة الأسلمي قال‏:‏ نزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد * وَأَنتَ حِلٌّ بهذا البلد‏}‏ فيّ، خرجت، فوجدت عبد الله بن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة، فضربت عنقه بين الركن والمقام‏.‏

وأخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏لاَ أُقْسِمُ بهذا البلد‏}‏ قال‏:‏ أحلّ له أن يصنع فيه ما شاء‏.‏

‏{‏وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ‏}‏ قال‏:‏ يعني‏:‏ بالوالد آدم، وما ولد ولده‏.‏ وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه في الآية قال‏:‏ الوالد الذي يلد، ‏{‏وما ولد‏}‏‏:‏ العاقر لا يلد من الرجال والنساء‏.‏ وأخرج ابن جرير، والطبراني عنه أيضاً‏:‏ ‏{‏ووالد‏}‏ قال‏:‏ آدم‏.‏ ‏{‏لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِى كَبَدٍ‏}‏ قال‏:‏ في اعتدال وانتصاب‏.‏ وأخرج ابن جرير عنه أيضاً‏:‏ ‏{‏لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِى كَبَدٍ‏}‏ قال‏:‏ في نصب‏.‏ وأخرج ابن جرير عنه أيضاً‏:‏ ‏{‏لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِى كَبَدٍ‏}‏ قال‏:‏ في شدّة‏.‏ وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً‏:‏ ‏{‏لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِى كَبَدٍ‏}‏ قال‏:‏ في شدة خلق ولادته، ونبت أسنانه، ومعيشته، وختانه‏.‏ وأخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً‏:‏ ‏{‏لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِى كَبَدٍ‏}‏ قال‏:‏ خلق الله كل شيء يمشي على أربعة إلاّ الإنسان فإنه خلق منتصباً‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة عنه أيضاً‏:‏ ‏{‏لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِى كَبَدٍ‏}‏ قال‏:‏ منتصباً في بطن أمه أنه قد وكل به ملك إذا نامت الأمّ أو أضطجعت رفع رأسه لولا ذلك لغرق في الدم‏.‏ وأخرج ابن جرير عنه أيضاً في قوله‏:‏ ‏{‏مَالاً لُّبَداً‏}‏ قال‏:‏ كثيراً‏.‏

وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه عن ابن مسعود في قوله‏:‏ ‏{‏وهديناه النجدين‏}‏ قال‏:‏ سبيل الخير والشرّ‏.‏ وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏وهديناه النجدين‏}‏ قال‏:‏ الهدى والضلالة‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير عنه قال‏:‏ سبيل الخير والشرّ‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم من طريق سنان بن سعد عن أنس قال‏:‏ قال النبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «هما نجدان، فما جعل نجد الشرّ أحب إليكم من نجد الخير» تفرّد به سنان بن سعد، ويقال سعد بن سنان‏.‏ وقد وثقه يحيى بن معين‏.‏ وقال الإمام أحمد، والنسائي، والجوزجاني‏:‏ منكر الحديث‏.‏ وقال أحمد‏:‏ تركت حديثه لاضطرابه، قد روى خمسة عشر حديثاً منكرة كلها ما أعرف منها حديثاً واحداً، يشبه حديثه حديث الحسن البصري، لا يشبه حديث أنس‏.‏ وأخرجه عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن مردويه من طرق عن الحسن قال‏:‏ ذكر لنا أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يقول‏.‏

‏.‏‏.‏ فذكره‏.‏ وهذا مرسل، وكذا رواه قتادة مرسلاً‏.‏ أخرجه عنه ابن جرير، ويشهد له ما أخرج الطبراني عن أبي أمامة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «يا أيها الناس إنهما نجدان‏:‏ نجد خير، ونجد شرّ، فما جعل نجد الشرّ أحب إليكم من نجد الخير» ويشهد له أيضاً ما أخرجه ابن مردويه عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «إنما هما نجدان، نجد الخير، ونجد الشرّ، فلا يكن نجد الشرّ أحب إليكم من نجد الخير» وأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم من طرق عن ابن عباس في قوله‏:‏ ‏{‏وهديناه النجدين‏}‏ قال‏:‏ الثديين‏.‏

وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عمر في قوله‏:‏ ‏{‏فَلاَ اقتحم العقبة‏}‏ قال‏:‏ جبل زلال في جهنم‏.‏ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال‏:‏ العقبة النار‏.‏ وأخرج عبد بن حميد عنه قال‏:‏ العقبة بين الجنة والنار‏.‏ وأخرج الحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في سننه عن عائشة قالت‏:‏ لما نزل‏:‏ ‏{‏فَلاَ اقتحم العقبة‏}‏ قيل‏:‏ يا رسول الله ما عند أحدنا ما يعتق إلاّ أن عند أحدنا الجارية السوداء تخدمه، فلو أمرناهنّ بالزنا، فجئن بالأولاد، فأعتقناهم، فقال رسول الله‏:‏ «لأن أمتع بسوط في سبيل الله أحبّ إليّ من أن آمر بالزنا، ثم أعتق الولد» وأخرجه ابن جرير عنها بلفظ‏:‏ «لعلاقة سوط في سبيل الله أعظم أجراً من هذا» وقد ثبت الترغيب في عتق الرقاب بأحاديث كثيرة‏:‏ منها في الصحيحين، وغيرهما عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منها عضواً منه من النار حتى الفرج بالفرج» وأخرج الفريابي، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ‏}‏ قال‏:‏ مجاعة‏.‏ وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عنه‏:‏ ‏{‏فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ‏}‏ قال‏:‏ جوع‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أيضاً‏:‏ ‏{‏يَتِيماً ذَا مَقْرَبَةٍ‏}‏ قال‏:‏ ذا قرابة، وفي قوله‏:‏ ‏{‏ذَا مَتْرَبَةٍ‏}‏ قال‏:‏ بعيد التربة، أي‏:‏ غريباً عن وطنه، وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عنه أيضاً‏:‏ ‏{‏أَوْ مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ‏}‏ قال‏:‏ هو المطروح الذي ليس له بيت‏.‏ وفي لفظ للحاكم‏:‏ هو الذي لا يقيه من التراب شيء‏.‏ وفي لفظ‏:‏ هو اللازق بالتراب من شدّة الفقر‏.‏ وأخرج ابن مردويه عن ابن عمر عن النبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏مِسْكِيناً ذَا مَتْرَبَةٍ‏}‏ قال‏:‏ «الذي مأواه المزابل» وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس‏:‏ ‏{‏وَتَوَاصَوْاْ بالمرحمة‏}‏ يعني‏:‏ بذلك رحمة الناس كلهم‏.‏ وأخرج عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه‏:‏ ‏{‏مُّؤْصَدَةُ‏}‏ قال‏:‏ مغلقة الأبواب‏.‏ وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن أبي هريرة‏:‏ ‏{‏مُّؤْصَدَةُ‏}‏ قال مطبقة‏.‏